بين ضغط الداخل وكلفة الخارج: هل تُسرّع حرب إيران أفول الهيمنة الأميركية؟

د. محمد عاصي –

في لحظةٍ تاريخية شديدة التعقيد، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام مفترق طرق حاد، حيث تتقاطع أزمتان بنيويتان: ضغط داخلي متصاعد يتجلى في الاحتجاجات والانقسام المجتمعي، وكلفة خارجية متنامية نتيجة الانخراط في حرب مفتوحة مع إيران. هذه الثنائية لا تعكس مجرد أزمة ظرفية، بل تطرح إشكالية أعمق تتعلق بقدرة الدولة على الحفاظ على توازنها بين الداخل والخارج، بين الشرعية والقوة، وبين الاقتصاد والعسكرة.

في هذا السياق، لا يمكن قراءة المشهد الراهن دون استحضار لحظة مفصلية في التاريخ الدولي: أزمة السويس 1956، التي اندلعت عقب تأميم قناة السويس بقرار من الرئيس جمال عبد الناصر. حينها، اعتقدت بريطانيا وفرنسا أن بإمكانهما استعادة السيطرة عبر القوة العسكرية، غير أن ما جرى كشف حدود هذه القوة. فقد وجدت حكومة أنطوني إيدن نفسها تحت ضغط مالي أميركي مباشر، هدد استقرار الجنيه الإسترليني، ما أجبرها على الانسحاب. لم تُهزم بريطانيا عسكرياً بقدر ما انهارت نقدياً واستراتيجياً، لتعلن تلك الأزمة بداية نهاية نفوذها العالمي وصعود الولايات المتحدة كقوة مهيمنة.

هذه السابقة التاريخية تؤسس لقاعدة مركزية في فهم التحولات الكبرى: حين تفقد القوة العسكرية سندها الاقتصادي وشرعيتها السياسية، تتحول إلى عبء يسرّع الانحدار بدل أن يمنعُه. واليوم، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تقترب من لحظة مشابهة، ولكن ضمن بيئة دولية أكثر تعقيداً وتشابكاً.

داخلياً، تتصاعد الضغوط على الإدارة الأميركية مع اتساع رقعة الاحتجاجات في ولايات محورية، وتفاقم الانقسام السياسي والاجتماعي. هذه التصدعات لا تنفصل عن الكلفة الاقتصادية للحرب، حيث يتزايد الإنفاق العسكري في ظل تضخم مرتفع ودين عام متصاعد، ما يضغط على الطبقات الوسطى ويهدد الاستقرار الاجتماعي. هنا يبرز تحذير جون ماينارد كينز بأن “الخطر الحقيقي لا يكمن في العجز نفسه، بل في فقدان الثقة الذي يرافقه”، وهو ما يلوح في الأفق مع اهتزاز ثقة الأسواق والسياسات.

في موازاة ذلك، تتعمق الانقسامات داخل المؤسسة السياسية الأميركية نفسها. فقد اعتبر كريس مورفي أن إنهاء الحرب هو السبيل الوحيد لتجنب “كارثة كبرى”، بينما ذهب كريس فان هولن إلى وصفها بأنها تحقيق لحلم قديم لـ بنيامين نتنياهو، منتقداً بشدة اندفاع دونالد ترامب نحوها. هذه المواقف تعكس أزمة تعريف للمصلحة القومية، حيث لم تعد الحرب محل إجماع، بل مصدر انقسام حاد.

أما خارجياً، فقد أدت الحرب إلى توسيع دائرة العداء بدل تقليصها. فاستهداف إيران، بما تمثله من ثقل حضاري وديني يمتد لآلاف السنين، واغتيال شخصية بحجم السيد المرجع علي خامنئي، أطلق موجات غضب عابرة للحدود، خصوصاً في العالم الإسلامي، ما عمّق عزلة واشنطن وأضعف قدرتها على بناء تحالفات مستدامة.هنا

تبرز أهمية ما دعا إليه هنري كيسنجر حول ضرورة بناء علاقات راسخة مع الدول ذات الامتداد الحضاري، وهو ما يبدو غائباً في السياسات الراهنة.

في هذا الإطار، تتكشف مفارقة أخلاقية حادة: الولايات المتحدة، التي طالما رفعت لواء الديمقراطية وحقوق الإنسان، تبدو اليوم وقد تخلّت عن هذه المعايير، ما أدى إلى تآكل صورتها العالمية. هذا الانكشاف يعيد طرح سؤال فلسفي حول طبيعة الدولة ودورها. فكما يرى جان جاك روسو، فإن بقاء الدول مرتبط بحكمة قيادتها، بينما يحذر بول كينيدي من أن “الإمبراطوريات تسقط عندما تتجاوز التزاماتها العسكرية قدرتها الاقتصادية”، ويؤكد كينيث والتز أن الإفراط في استخدام القوة خارجياً يقوّض التوازن الداخلي.

اقتصادياً، تتجلى المخاطر بشكل متسارع. فالتصعيد في الخليج، خصوصاً في مضيق هرمز، يهدد استقرار أسواق الطاقة، ما ينعكس تضخماً عالمياً وداخلياً. كما أن تمويل الحرب عبر الاقتراض يفاقم العجز ويضغط على الدولار، في وقت بدأت فيه قوى دولية البحث عن بدائل نقدية. هذه المؤشرات تعيد إلى الأذهان ما حدث لبريطانيا بعد السويس، حين فقدت موقعها المالي قبل أن تفقد نفوذها السياسي.

أما على مستوى النظام الدولي، فإن هذه الحرب تسرّع تفكك الإطار القانوني الذي تأسس منذ صلح وستفاليا، مروراً بإنشاء الأمم المتحدة، وصولاً إلى منظومة اتفاقيات جنيف. فالتجاوزات المتكررة تقوّض شرعية هذا النظام، وتدفع الدول إلى إعادة تعريف سيادتها وتحالفاتها، في اتجاه عالم متعدد الأقطاب.

في السياق نفسه، تتعرض العلاقات مع الحلفاء لتآكل واضح. فالتصريحات الاستفزازية، خصوصاً تجاه الامير محمد بن سلمان، تعكس استخفافاً بمكانة السعودية ودورها المحوري في العالمين العربي والإسلامي، ما يدفع هذه الدول إلى إعادة تموضع استراتيجي.

في موازاة ذلك، تعكس تحذيرات دوغلاس ماكغريغور بأن “عصر الهيمنة الأميركية على الشرق الأوسط يوشك على الانتهاء” إدراكاً متزايداً داخل بعض الأوساط الاستراتيجية لحجم التحول الجاري.

دستورياً، تطرح الحرب إشكالية حدود السلطة التنفيذية. فبحسب دستور الولايات المتحدة، يمتلك الكونغرس وحده سلطة إعلان الحرب (المادة الأولى)، بينما يقتصر دور الرئيس، بصفته قائداً أعلى، على إدارتها. كما يفرض قانون صلاحيات الحرب لعام 1973 قيوداً زمنية على العمليات العسكرية دون تفويض تشريعي. هذا التوازن، الذي شدد عليه جيمس ماديسون بقوله إن السلطة التنفيذية “الأكثر ميلاً للحرب”، يضع أي محاولة لإطالة النزاع أمام اختبار دستوري وسياسي معقّد.

في ضوء كل ما سبق، تبدو فرص نجاح هذه الحرب محدودة، ليس فقط بسبب تعقيدات الميدان، بل نتيجة التداخل العميق بين الاستنزاف الاقتصادي، والانقسام الداخلي، والتحولات الدولية. وعليه، فإن الخطر الأكبر لا يكمن في الخسارة العسكرية المباشرة، بل في تسريع مسار تاريخي أوسع: أفول تدريجي لدور الولايات المتحدة وصعود نظام عالمي متعدد الأقطاب.

وهنا، تعود المقارنة مع السويس لتكتسب معناها الكامل: لم تكن تلك الأزمة مجرد هزيمة عسكرية لبريطانيا، بل لحظة إدراك متأخرة بأن كلفة الاستمرار في وهم القوة كانت أعلى من كلفة الانسحاب.

وعليه، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل ستنتصر الولايات المتحدة في هذه الحرب؟

بل: ما الذي ستخسره حتى لو انتصرت!!!؟

Leave A Reply