الكلمة التي تبني وطنًا – د.عباس حيدر

الكلمة التي تبني وطنًا

قال الله تعالى في سورة طه:

﴿اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾.

إنّها ليست مجرّد آية في سياق قصّة نبيّ، بل منهج حضاري وأخلاقي عميق في إدارة الاختلاف، وحماية الإنسان، وصيانة المجتمع من الانهيار الدّاخلي. فإذا كان الله سبحانه وتعالى قد أمر موسى وهارون عليهما السلام أن يخاطبا فرعون – وهو رمز الطغيان والاستكبار – بالقول اللّيّن، فكيف ينبغي أن تكون لغتنا اليوم مع أهلنا، وشركائنا في الوطن، والمختلفين معنا في الرأي أو الفكر أو السياسة؟

إنّ القوّة الحقيقية لا تظهر في الصّراخ، ولا في التّحقير، ولا في تحويل الاختلاف إلى معركة إلغاء، بل في القدرة على مخاطبة الإنسان بما يحفظ كرامته وإنسانيته. فالقول اللّيّن ليس ضعفًا، بل وعيٌ عميق بأنّ الكلمة قد تهدم مجتمعًا، وقد تبني وطنًا، وقد تفتح قلبًا مغلقًا أمام الحقيقة.

لقد أصبح عالمنا اليوم، خصوصًا عبر وسائل الإعلام ومنصّات التّواصل، ساحةً مفتوحة للتّجريح والتّخوين والتّشهير. كلّ فريق يرفع صوته أكثر، وكلّ طرف يظنّ أنّ العنف اللفظي دليل قوّة أو انتصار. لكنّ الحقيقة أنّ المجتمعات لا تسقط فقط بالحروب، بل تسقط أيضًا حين تفقد أخلاق الحوار، وحين يتحوّل النّاس إلى قضاة يوزّعون الاتّهامات بدل أن يكونوا شركاء في البحث عن الحقيقة.

إنّ الخطاب القاسي يولّد خوفًا وكراهية، أمّا الخطاب اللّيّن فيفتح باب المراجعة والتّفكير. لذلك قالت الآية: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾، أي أنّ الهدف من الحوار ليس الإهانة أو الانتقام، بل إيقاظ الضّمير الإنساني، ولو في قلب أكثر الناس طغيانًا.

أين نحن اليوم من هذه القراءة القرآنية؟

وأين نحن من هذا السّلوك النبويّ والأخلاقيّ؟

لقد أصبح كثيرون يتعاملون مع الإختلاف بوصفه تهديدًا للوجود، لا فرصة للفهم والتّكامل. وغابت عنّا فكرة أنّ المجتمع لا يُصان بالقوة وحدها، بل بالكلمة الطيّبة، والعدل، والاحترام، والقدرة على ضبط الانفعال.

إنّ المجتمعات التي يكثر فيها الصّراخ تقلّ فيها الحكمة، والمجتمعات التي يتقدّم فيها التّخوين يتراجع فيها الأمان. أمّا حين ينتصر الوعي، يصبح الحوار وسيلة بناء لا مِعوَل هدم، ويصبح الاختلاف مساحة غنى لا سببًا للتمزّق.

نحن اليوم أحوج ما نكون إلى إعادة الاعتبار لأخلاق الكلمة. فالكلمة مسؤوليّة، والإعلام مسؤوليّة، والمنابر مسؤوليّة، لأنّ الإنسان قد ينسى كثيرًا من الأحداث، لكنّه لا ينسى أثر الكلمات التي جرحت كرامته أو أعادت إليه إنسانيّته.

لقد علّمتنا الآية أنّ حماية المجتمع تبدأ من طريقة مخاطبتنا لبعضنا البعض. فحين يُخاطَب حتى فرعون بلينٍ ورحمة، فلا يحقّ لنا أن نحوّل اختلافاتنا اليوميّة إلى ساحات كراهية وعداء. إنّ بناء الأوطان يبدأ ببناء لغةٍ تشبه الإنسان، وتحفظ القلب، وتؤمن أنّ الهداية لا تأتي بالصّراخ، بل بالحكمة والرحمة والوعي.

  الدكتور: عبّاس حيدر.

الجمعة في 22/5/2026

Leave A Reply