حرب المصالح أم حرب العقائد؟
الصراع على الأرض بين القوة والشرعية في الشرق الأوسط
منذ عقود طويلة يُقدَّم الصراع في الشرق الأوسط، ولا سيما الصراع حول فلسطين، بوصفه صراع مصالح وجغرافيا سياسية: صراع على الموارد، وعلى الممرات البحرية، وعلى النفوذ الإقليمي. غير أن هذه القراءة، على أهميتها، تبقى قاصرة عن تفسير العمق الحقيقي للصراع. فالمواجهة التي تعيشها المنطقة ليست مجرد تنافس على النفط أو الحدود، بل هي في جانب كبير منها صراع سرديات ورؤى حضارية؛ صراع بين تصورات مختلفة للحق والتاريخ والهوية.
ففي قلب هذه المواجهة يقف سؤال فلسفي قديم: هل تُبنى شرعية الأرض على القوة أم على التاريخ؟ وهل يصنع الاحتلال حقاً إذا طال الزمن؟
الأرض بين الوعد الديني والمشروع السياسي
نشأت الحركة الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر في أوروبا في سياق صعود القوميات الحديثة. وقد نظّر لها المفكر النمساوي هرتزل ، حيث طرح فكرة إقامة وطن قومي لليهود باعتبارها حلاً للمسألة اليهودية في أوروبا.
غير أن المشروع الصهيوني لم يظل مجرد مشروع قومي علماني. فمع تطوره التاريخي، اندمجت فيه قراءات دينية لنصوص يهودية قديمة، خاصة ما ورد في التوراة والتلمود. ففي سفر التكوين يرد النص التالي:
“لنسلك أعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات”.
وقد استُخدم هذا النص في بعض التفسيرات الدينية لتأكيد فكرة “أرض الميعاد”، وهي الفكرة التي غذّت لاحقاً تصورات أيديولوجية حول الامتداد التاريخي للدولة اليهودية.
أما في الأدبيات التلمودية، فتوجد نصوص تعكس تصوراً خاصاً للعلاقة بين الشعب اليهودي والأمم الأخرى، ومن ذلك ما ورد في التلمود البابلي:
“أنتم تُدعون إنساناً، وليس الأمم الأخرى يُدعون إنساناً”.
مثل هذه النصوص لا تُفسَّر بالضرورة بالطريقة نفسها لدى جميع المدارس الدينية اليهودية، غير أنها لعبت دوراً في الخطاب الديني لبعض التيارات القومية المتشددة.
وقد تناول المؤرخ الإسرائيلي Ilan Pappe هذه العلاقة بين الأيديولوجيا والتاريخ ، مشيراً إلى أن المشروع الصهيوني لم يكن مجرد مشروع هجرة، بل مشروع إعادة تشكيل ديموغرافي وسياسي للمنطقة.
.فلسطين في الوعي الإسلامي
في المقابل، يحتلّ مفهوم الأرض في الوعي الإسلامي مكانة مختلفة. فالأرض ليست مجرد جغرافيا، بل جزء من الذاكرة الدينية والتاريخية للأمة. ويكتسب هذا المعنى بعداً خاصاً في القدس، حيث يقع المسجد الأقصى، الذي ورد ذكره في القرآن الكريم في قوله تعالى:
“سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ”
(سورة الإسراء، الآية 1)
ومن هنا يصبح الصراع على هذه الأرض في المخيال الإسلامي صراعاً يتجاوز السياسة ليصل إلى مستوى الدفاع عن المقدس والهوية.
وفي الفكر الشيعي، يكتسب هذا البعد بعداً أخلاقياً إضافياً يرتبط بثقافة مقاومة الظلم. فحادثة استشهاد الإمام الحسين بن علي في واقعة كربلاء عام 680 ميلادية تحولت إلى رمز مركزي في الوعي الشيعي.
وقد نُقل عنه قوله في تلك الواقعة:
“ألا وإن الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين: بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة”.
هذه العبارة لم تبق مجرد ذكرى تاريخية، بل تحولت إلى مبدأ أخلاقي وسياسي يقوم على رفض الظلم ومقاومة الهيمنة.
وفي العصر الحديث، طوّر المرجع الإيراني الخميني هذه الرؤية في كتابه الحكومة الاسلامية ، حيث اعتبر أن مقاومة الهيمنة جزء من مسؤولية الأمة في زمن غياب الإمام المهدي.
.صراع السرديات
إذا نظرنا إلى هذا المشهد من زاوية فلسفية، سنجد أن الصراع لا يدور فقط حول الأرض، بل حول معنى الأرض نفسه.
ففي الرؤية الصهيونية المتأثرة بالنص التوراتي، الأرض وعدٌ إلهي وتاريخ مفقود يجب استعادته.
أما في الرؤية العربية والإسلامية، فالأرض ذاكرة تاريخية لشعب عاش فيها قروناً طويلة قبل ظهور المشروع الصهيوني.
وقد أشار المفكر الفلسطيني إدوار سعيد في كتابه مسألة فلسطين إلى أن الصراع في جوهره صراع على السردية: من يملك الحق في رواية التاريخ.
فالتاريخ ليس مجرد وقائع؛ إنه أيضاً قصة تُروى. ومن يملك القوة غالباً ما يملك القدرة على فرض روايته على العالم.
..القوة والعدالة: معضلة التاريخ
لكن التاريخ الإنساني يكشف حقيقة قاسية: العدالة ليست دائماً هي التي تنتصر.
فالفيلسوف البريطاني توماس هوبز كان يرى أن العلاقات بين الدول تشبه حالة الطبيعة، حيث تسود القوة ويغيب القانون. بينما اعتبر الفيلسوف ايمانويل كانت أن السلام العادل لا يمكن أن يتحقق إلا إذا خضعت السياسة لمبادئ أخلاقية عالمية.
في ضوء هذا الجدل الفلسفي، يبدو الشرق الأوسط اليوم وكأنه يعيش هذه المعضلة نفسها: هل يُحكم العالم بمنطق القوة أم بمنطق العدالة؟
سؤال مفتوح أمام الإنسانية
في النهاية، لا يمكن فهم الصراع في الشرق الأوسط بوصفه مجرد صراع حدود أو مصالح اقتصادية. إنه أيضاً صراع على المعنى والذاكرة والشرعية.
وهنا يبرز السؤال الذي يتجاوز السياسة ليصبح سؤالاً إنسانياً وأخلاقياً:
هل يملك الأرض من عاش فيها عبر التاريخ وصنع حضارتها؟
أم أن من يمتلك القوة العسكرية والدعم الدولي يستطيع أن يفرض نفسه مالكاً لها مهما كانت الكلفة الإنسانية؟
إن هذا السؤال لا يتعلق بفلسطين وحدها، بل بجوهر النظام الدولي المعاصر.
فإذا أصبح الاحتلال أمراً واقعاً تُكرّسه موازين القوة، فإن التاريخ قد يتحول إلى مجرد سجل للغلبة، لا سجل للعدالة.
وعندها لن يبقى السؤال: من يملك الأرض؟
بل سيصبح السؤال الأعمق: هل ما زال للحق مكان في عالم تحكمه القوة؟

