تحوّلات الإدراك الأميركي تجاه إسرائيل: من التحالف غير المشروط إلى حسابات الكلفة والمصلحة

د.محمد عاصي –

شكّل التحالف الأميركي ـ الإسرائيلي، منذ قيام دولة إسرائيل عام 1948، أحد أكثر الثوابت رسوخاً في السياسة الخارجية للولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط. وقد استند هذا التحالف إلى شبكة معقدة من الاعتبارات الاستراتيجية والسياسية والأيديولوجية، جعلت من إسرائيل شريكاً أساسياً لواشنطن في منطقة تُعدّ من أكثر مناطق العالم حساسية من الناحية الجيوسياسية.

وعلى امتداد عقود طويلة، بدا هذا التحالف بمنأى عن أي مراجعة جوهرية داخل المؤسسات الأميركية. فقد ارتبطت إسرائيل في المجال السياسي الأميركي بصورة الحليف الاستراتيجي الذي يساهم في حماية المصالح الأميركية في الشرق الأوسط، ويوفّر لواشنطن نقطة ارتكاز متقدمة في منطقة تتداخل فيها اعتبارات الطاقة والأمن والصراعات الإقليمية.

إلا أنّ السنوات الأخيرة شهدت تحولات عميقة في البيئة الإقليمية والدولية، كان أبرزها الحرب المستمرة في غزة، والتصعيد العسكري المتكرر في جنوب لبنان وصولاً إلى الضاحية الجنوبية لبيروت والعاصمة اللبنانية نفسها، فضلاً عن المواجهة المباشرة وغير المسبوقة بين إسرائيل وإيران. وقد أفضت هذه التطورات إلى إعادة فتح نقاش أميركي واسع حول طبيعة العلاقة مع إسرائيل وحدود الجدوى الاستراتيجية لاستمرار الدعم الأميركي غير المشروط لها.

فالنقاش الدائر اليوم داخل الولايات المتحدة لم يعد يقتصر على كيفية ضمان أمن إسرائيل أو تعزيز تفوقها العسكري، بل تجاوز ذلك إلى مساءلة الكلفة الشاملة لهذا التحالف على المصالح الأميركية ذاتها. فقد بدأت قطاعات متنامية داخل النخب السياسية والأكاديمية والإعلامية الأميركية تطرح تساؤلات تتعلق بحجم الأعباء الاقتصادية والسياسية والقانونية والأخلاقية التي تتحملها الولايات المتحدة نتيجة انخراطها المستمر في دعم السياسات الإسرائيلية.

وتكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة في ظل التحديات الداخلية التي تواجهها الولايات المتحدة، سواء على مستوى البنية التحتية أو الرعاية الصحية أو التعليم أو ارتفاع الدين العام. إذ لم يعد من السهل تبرير استمرار تخصيص مليارات الدولارات لدعم حروب وصراعات خارجية في وقت تتزايد فيه المطالب الشعبية بإعطاء الأولوية للقضايا الداخلية الأميركية.

ومن هنا، أخذ سؤال جديد يفرض نفسه داخل المجال العام الأميركي: هل ما زالت إسرائيل تمثل رصيداً استراتيجياً للولايات المتحدة، أم أنّها بدأت تتحول تدريجياً إلى عبء سياسي واستراتيجي يفرض على واشنطن كلفاً متزايدة على المستويين الداخلي والخارجي؟

وقد تجلّى هذا التحول في عدد من المواقف الصادرة عن شخصيات بارزة داخل المؤسسة السياسية الأميركية. فقد دعا السيناتور بيرني ساندرز إلى إعادة النظر في طبيعة المساعدات العسكرية المقدمة لإسرائيل، معتبراً أنّ الدعم الأميركي لا يمكن أن يبقى بمنأى عن الاعتبارات المرتبطة بالقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان. كما طالب السيناتور كريس فان هولن بضرورة إخضاع المساعدات الأميركية لمعايير قانونية وأخلاقية تضمن عدم استخدامها في انتهاكات محتملة للقانون الدولي.

ولا تكمن أهمية هذه المواقف في بعدها السياسي المباشر فحسب، بل في كونها تعبّر عن تراجع تدريجي لحالة الإجماع التقليدي التي حكمت العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية لعقود طويلة. كما تعكس تنامياً في القلق داخل دوائر صنع القرار الأميركي من التداعيات الاستراتيجية بعيدة المدى للارتباط غير المشروط بالسياسات الإسرائيلية.

وفي السياق نفسه، برزت خلال الأشهر الأخيرة مؤشرات إضافية على وجود تباينات متزايدة بين واشنطن وتل أبيب بشأن إدارة الأزمات الإقليمية. فقد كشفت تقارير إعلامية أميركية عن توتر واضح بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على خلفية الخطط الإسرائيلية الرامية إلى توسيع العمليات العسكرية في لبنان، فضلاً عن المخاوف الأميركية من الانجرار إلى مواجهة إقليمية شاملة مع إيران. ووفق ما تداولته وسائل إعلام أميركية، فإنّ ترامب عبّر بصورة حادة عن رفضه لأي خطوات من شأنها دفع المنطقة نحو مواجهة أوسع قد تجر الولايات المتحدة إلى انخراط عسكري غير مرغوب فيه.

ولا ينبغي النظر إلى هذه الوقائع باعتبارها مجرد خلافات تكتيكية أو شخصية بين زعيمين سياسيين، بل باعتبارها مؤشراً على تعاظم التناقض بين أولويات السياسة الأميركية وأولويات الحكومة الإسرائيلية الحالية. فبينما تسعى واشنطن إلى تجنب الانزلاق نحو صراع إقليمي واسع النطاق قد يهدد مصالحها العالمية ويستنزف مواردها الاستراتيجية، تبدو بعض السياسات الإسرائيلية أكثر ميلاً إلى توسيع نطاق المواجهة العسكرية لتحقيق أهداف أمنية وسياسية داخلية وإقليمية.

ويكتسب هذا التحول أهمية إضافية إذا ما قُرئ على ضوء التدرج اللافت الذي شهده خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال الأزمات الأخيرة في الشرق الأوسط. فبعد أن تبنى في مراحل مختلفة خطاباً تصعيدياً تجاه إيران وصل إلى حد التهديد بتدمير قدراتها العسكرية وإخضاعها بالقوة، انتقل لاحقاً إلى تبني خيار التفاوض المباشر والبحث عن تسويات سياسية، قبل أن يجد نفسه في موقع الساعي إلى احتواء الاندفاعة الإسرائيلية ومنع توسع دائرة الحرب في المنطقة. ويعكس هذا المسار انتقالاً من منطق التصعيد المطلق إلى منطق إدارة المخاطر وحساب الكلفة الاستراتيجية لأي مواجهة قد تفرض على الولايات المتحدة أعباءً لا تتناسب مع مصالحها القومية.

كما اكتسبت تصريحات ترامب الأخيرة أهمية استثنائية عندما أكد بصورة صريحة أن «لولا الولايات المتحدة لما بقيت إسرائيل»، في إشارة تعكس إدراكاً متزايداً داخل بعض دوائر القرار الأميركي لحجم الاعتماد الإسرائيلي على المظلة السياسية والعسكرية والدبلوماسية التي توفرها واشنطن. وبغض النظر عن الطابع الشخصاني الذي يميز خطاب ترامب، فإنّ هذه التصريحات تكشف تحوّلاً مهماً في طريقة توصيف العلاقة بين الطرفين. فبدلاً من النظر إلى إسرائيل باعتبارها دائماً رصيداً استراتيجياً ثابتاً للولايات المتحدة، بدأ يظهر خطاب يركّز على حجم الموارد التي تخصصها واشنطن للحفاظ على التفوق الإسرائيلي وعلى الأثمان السياسية والاستراتيجية المترتبة على ذلك.

ويكشف هذا التحول عن انتقال تدريجي من منطق التحالف القائم على المسلمات التاريخية والأيديولوجية إلى منطق أكثر براغماتية يرتكز على حسابات الكلفة والعائد. فحين يصبح الحديث داخل البيت الأبيض عن قدرة الولايات المتحدة على كبح إسرائيل أو التأثير في قراراتها أو منعها من توسيع نطاق الحروب الإقليمية، فإن ذلك يعني ضمناً أن النقاش لم يعد يدور فقط حول كيفية حماية إسرائيل وتعزيز تفوقها العسكري، بل بات يتعلق أيضاً بحجم الأعباء التي تتحملها الولايات المتحدة نتيجة استمرار هذا الدعم، وبمدى انسجام السياسات الإسرائيلية مع المصالح القومية الأميركية.

ومن جهة أخرى، أعادت التطورات الأخيرة إحياء النقاش الدستوري داخل الولايات المتحدة حول صلاحيات الحرب. فقد شهد الكونغرس الأميركي محاولات متكررة لتقييد قدرة السلطة التنفيذية على الانخراط في أي مواجهة عسكرية مباشرة ضد إيران من دون تفويض تشريعي واضح. ويعكس هذا التوجه تنامياً في المخاوف من أن يؤدي الارتباط الوثيق بالسياسات الإسرائيلية إلى جرّ الولايات المتحدة نحو نزاعات جديدة في الشرق الأوسط لا تحظى بإجماع داخلي أميركي.

ومن منظور القانون الدستوري الأميركي، فإنّ إعادة فتح النقاش حول صلاحيات الحرب تمثّل مؤشراً واضحاً على أزمة ثقة متنامية بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في إدارة ملفات السياسة الخارجية. كما تعبّر عن إدراك متزايد لحجم المخاطر المترتبة على استمرار الانخراط الأميركي في النزاعات الإقليمية المفتوحة.

أما من زاوية القانون الدولي العام، فإنّ العمليات العسكرية التي شهدتها غزة ولبنان خلال الفترة الأخيرة تثير إشكاليات قانونية بالغة التعقيد تتعلق بتطبيق قواعد ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما تلك المرتبطة بحظر استخدام القوة واحترام سيادة الدول وحماية السكان المدنيين أثناء النزاعات المسلحة.

كما تطرح هذه العمليات تساؤلات جدية بشأن مدى الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني، خصوصاً المبادئ المتعلقة بالتمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية، والتناسب في استخدام القوة، وحظر العقاب الجماعي، وواجب حماية المدنيين والمنشآت المدنية أثناء النزاعات المسلحة.

وفي ضوء التقارير الصادرة عن عدد من المنظمات الدولية والهيئات الأممية، برز نقاش قانوني متزايد حول مدى انطباق توصيفات الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني أو جرائم الحرب على بعض الممارسات المرتبطة بالعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة ولبنان، ولا سيما ما يتعلق باستهداف البنى التحتية المدنية والمرافق الصحية وعمليات النزوح والتهجير واسعة النطاق.

غير أنّ التأثير الأعمق لهذه التطورات لا يقتصر على الجانب القانوني فحسب، بل يمتد إلى مكانة الولايات المتحدة ذاتها داخل النظام الدولي. فواشنطن التي قدّمت نفسها لعقود باعتبارها المدافع الأول عن الشرعية الدولية وحقوق الإنسان تجد نفسها اليوم أمام أزمة متنامية في صدقيتها السياسية والأخلاقية نتيجة الدعم الذي تقدمه لإسرائيل رغم الانتقادات الدولية الواسعة الموجهة إلى سياساتها العسكرية.

وبالتالي، فإنّ التحالف الأميركي ـ الإسرائيلي يبدو اليوم أمام مرحلة جديدة من الاختبار التاريخي. فالإشكالية لم تعد تقتصر على أهمية إسرائيل بالنسبة للمصالح الأميركية، بل أصبحت تتعلق بحجم الأعباء التي باتت تفرضها هذه العلاقة على صورة الولايات المتحدة ودورها القيادي في النظام الدولي.

ومع ذلك، فإنّ الحديث عن تخلي الولايات المتحدة الكامل عن إسرائيل لا يزال بعيداً عن الواقع السياسي والاستراتيجي الراهن. فالعلاقة بين الطرفين تستند إلى شبكة عميقة من المصالح الأمنية والعسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والمؤسساتية يصعب تفكيكها في المدى المنظور. غير أنّ المؤشرات المتراكمة توحي بأنّ الولايات المتحدة قد تكون بصدد إعادة تعريف شروط هذا التحالف وحدود الدعم الممنوح له، بما ينسجم بصورة أكبر مع حسابات المصلحة القومية الأميركية.

وعليه، فإنّ السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتمثل في ما إذا كانت الولايات المتحدة ستتخلى عن إسرائيل بصورة كاملة، بل في ما إذا كانت ستتخلى عن نموذج الدعم غير المشروط الذي حكم العلاقة بين الطرفين طوال العقود الماضية.

فهل تشهد الولايات المتحدة بداية تحوّل تاريخي في إدراكها لموقع إسرائيل داخل منظومة مصالحها الاستراتيجية، بحيث تصبح العلاقة محكومة باعتبارات الكلفة والعائد بدلاً من المسلّمات السياسية التقليدية؟ أم أنّ قوة المؤسسات الداعمة لهذا التحالف ستنجح مجدداً في إعادة إنتاجه بصيغته القديمة رغم ما يخلّفه من أعباء قانونية وأخلاقية واستراتيجية متزايدة؟

إنّ الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق فقط بمستقبل العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، بل قد تحدد أيضاً مستقبل الشرعية الدولية، وحدود استخدام القوة في العلاقات الدولية، وطبيعة النظام العالمي الذي يتشكل اليوم على أنقاض أزمات الشرق الأوسط وصراعاته المتلاحقة.

Leave A Reply