إنهدوانا كاهنة إنانا أوّل مؤلفة في التاريخ ! 

إنهدوانا كاهنة إنانا أوّل مؤلفة في التاريخ !

د. أنطوان يزبك

لطالما طُمِست إنهدوانا خلف الشخصيات الكلاسيكية المكرَّسة في التقليد الغربي، لكنها في الحقيقة أول مؤلفة معروفة في تاريخ البشرية. قبل أكثر من أربعة آلاف عام، في بلاد الرافدين، وقّعت هذه الكاهنة العظمى نصوصها، جامعةً بين الشعر والسلطة والروحانية، وتركت لنا عملاً تأسيسيًا بالغ الأهمية.

عندما نتساءل عمّن كان أول كاتب في التاريخ، غالبًا ما يتبادر إلى الذهن هوميروس. فصورة الشاعر الأعمى من اليونان القديمة تحتلّ قمة البانثيون في التقليد الأدبي الغربي هكذا علمتنا كلاسيكيات العلم والثقافة ، وهكذا كرّست التقاليد وجهة نظر واحدة لا يحيد أحد عنها .

لكن في الواقع، ينبغي لنا من وجهة نظر علمية دقيقة ، أن نعود إلى زمن أبعد بكثير، إلى ما قبل اليونان، بل إلى ما قبل الأبجديّة نفسها، وأن نوجّه أنظارنا إلى مهد الكتابة: بلاد الرافدين القديمة. هناك، قبل أكثر من أربعة آلاف عام، قامت امرأة بالتوقيع على عملها باسمها الشخصي: إنهدوانا.

من هي إنهدوانا التي تحلّت بموهبة فريدة في زمانها ؟

عاشت إنهدوانا حوالي سنة 2300 قبل الميلاد في مدينة أور، في جنوب العراق الحالي. وتتميّز شخصيتها في عدة جوانب: فقد كانت الكاهنة العظمى للإلهة إنانا، وهو منصب منحها سلطة دينية وسياسية كبيرة. كما كانت إبنة الملك سرجون الأكادي، مؤسس أول إمبراطورية في بلاد الرافدين، وفوق ذلك كلّه كانت مؤلفةً لأعمال أدبية تتّسم بعمق لاهوتي وسياسي وشعري لافت.

لم يكن «إنهدوانا» اسمها الشخصي، بل لقبًا دينيًا يمكن ترجمته إلى «الكاهنة العظمى، زينة السماء». أما اسمها الحقيقي فلا يزال مجهولًا. لكن ما لا شك فيه هو أهمّيتها التاريخية: فقد كتبت إنهدوانا نصوصها ووقّعتها، وادّعت ملكيّتها الفكرية، مما يجعلها أول شخص حقيقي، رجلًا كان أم امرأة، يترك عملًا أدبيًا باسمه الصريح.

كانت آنذاك الكتابة المسمارية موجودة منذ منتصف الألف الرابع قبل الميلاد، وقد نشأت في الأصل كأداة إدارية تُستخدم لتدوين السجلات الاقتصادية، وضبط الضرائب، وإحصاء الماشية. غير أنّه في زمن إنهدوانا بدأ استخدامها أيضًا للتعبير عن الأفكار الدينيّة والفلسفيّة والجمالية. لقد كانت فنًا مقدسًا، مرتبطًا بالإلهة نيسابا، راعية الكتبة والحبوب والمعرفة.

في هذا السياق، تبدو شخصية هذه المؤلفة دالّة بشكل خاص. فعملها يجمع بين تقوى دينية عميقة ورسالة سياسية واضحة. ويأتي شعرها ضمن استراتيجية إمبراطورية تهدف إلى إضفاء الشرعية على هيمنة أكاد على المدن السومرية، من خلال اعتماد لغة مشتركة، وإيمان موحّد، وخطاب لاهوتي جامع.

وصلتنا عدّة مؤلفات لإنهدوانا. ومن بين أهمها «تمجيد إنانا»، وهو نشيد طويل يمجّد إلهة الحب والحرب إنانا، وتستغيث فيه المؤلفة بعونها خلال فترة نفي. وغالبًا ما يُعد هذا النص أكثر أعمالها شخصيةً وقوة.

كما حُفظت «أناشيد المعابد»، وهي مجموعة من اثنين وأربعين نشيدًا مكرّسة لمختلف المعابد والآلهة في سومر. ومن خلالها ترسم إنهدوانا خريطة روحية حقيقية للإقليم، مبرزةً الصلة الوثيقة بين الدين والسلطة السياسية.

ويضاف إلى ذلك أناشيد أخرى مجتزأة، من بينها نشيد مكرّس للإلهة إنانا.

هذه النصوص ليست مجرد كتابات دينية بسيطة؛ بل هي أعمال مشيّدة بقدر كبير من التعقيد، مشحونة بالرمزية والعاطفة وتحمل رؤية سياسية حقيقية. وتظهر فيها إنهدوانا كوسيط بين الآلهة والبشر، وبين والدها الإمبراطور والمدن التي خضعت لسلطته.

ولكن يبقى السؤال لماذا لم يعرفها العالم الحديث على نطاق واسع ؟

من المدهش أن تغيب إنهدوانا عن المناهج الدراسيّة وعن معظم البرامج الجامعيّة في الأدب. فخارج نطاق المتخصصين في تاريخ العصور القديمة أو دراسات النوع الاجتماعي، لا يزال اسمها مجهولًا إلى حد بعيد. ومن المشروع التساؤل عمّا إذا كان هذا التغييب ناتجًا عن إقصاء منهجي للنساء من التاريخ الثقافي. وكما تشير مؤرخة الفن آنا فالتيرا لاكايّي، فقد جرى إنكار وجود النساء الكاتبات أو الفنانات في العصور القديمة على مدى قرون، رغم الأدلة الأثرية التي تثبت أنهن كنّ يقرأن ويكتبن ويعملن في إدارة الموارد.

لم تكن إنهدوانا حالة استثنائية معزولة؛ فوجودها يبيّن أن النساء شاركن بفاعلية في تطور الحضارة الرافدية، سواء في المجال الديني أو الفكري. وكونها أول شخص معروف يوقّع نصًا باسمه الشخصي كان ينبغي أن يمنحها مكانة بارزة في تاريخ الإنسانية.

إنها لا تمثل مجرد لحظة تأسيسية في تاريخ الأدب، بل تجسّد أيضًا، بقوة نادرة، قدرة النساء على الإبداع والتفكير وممارسة السلطة منذ فجر الثقافة المكتوبة. لقد وصلنا صوتها منقوشًا على ألواح الطين عبر آلاف السنين. ومعها، لا يبدأ التاريخ بالكلمات وحدها، بل بصوت فريد، وتجربة معيشة، ووعي عميق بفعل الكتابة و هي عناصر تستحق أن يُعترف بها اعترافًا كاملًا.

هذا هو تاريخ أمتنا ومدعاة فخرنا و علينا حمايته وإعادة رد الاعتبار إليه لأنه تاريخ مشرّف و فريد ، ونرد على كل من يحاول قطع الصلة بين الحاضر والماضي الأثيل من خلال قول سعادة الخالد :

” إن في النفس السوريّة كلّ علم و فلسفة وفنّ في العالم ” .

ليس هذا القول مجرد عاطفة واندفاع بل حقيقة و فعل وجود ، حيث تأسست أول حضارة و نهَض الإنسان ، في أسمى تجربة بشرية على الإطلاق ، والعبرة في الحفاظ عليها ! .

Leave A Reply