يا صور – كتب صدر داوود

يا صور..

أيُّ وجعٍ هذا الذي صار أكبر من القلوب، وأعمق من البحر الممتدّ على كتفيكِ؟

كأنّ المدينة التي علّمت الموج معنى الصبر باتت اليوم تُخفي دموعها في الملح كي لا يراها أحد.

يا صور…

يا مدينةً كلّما اشتعل الجنوب، وقفتِ على حافة النار كأمٍّ تجمع أبناءها تحت عباءتها.

كم مرّةً حملتِ الشهداء إلى البحر،

وكم مرّةً عاد البحر إليكِ مثقلاً بأسماء الغائبين؟

الوجع فيكِ ليس خبراً عابراً، بل هو حكايات بيوتٍ تهدّمت فوق أحلام أصحابها، وأمّهاتٍ ينتظرن عند الأبواب صوتاً لن يعود، وأطفالٍ كبروا قبل أوانهم.

حتى البحر، الذي كان مرآةً للعشّاق والصيّادين والعائدين من التعب، صار عاجزاً عن احتواء هذا الحزن.

فكلّ موجةٍ تصل إلى شاطئكِ كأنّها تحمل صلاةً مكسورة، أو وجهاً غاب تحت الركام، أو ذكرى شهيدٍ مرّ من هنا وترك قلبه مع المدينة.

يا صور…

أنتِ لستِ مدينةً فقط؛

أنتِ تعبُ الجنوب كلّه حين يتعب،

وصبرُه حين يضيق العالم،

وكرامتُه حين يحاول الدمار أن يكسر الروح.

وصور لا تنسى تاريخها، ولا تُبدّل مواقفها؛ فهي شامخةٌ كشموخ جبل عامل، راسخةٌ في الأرض، عاليةٌ في الكرامة، وفيةٌ لذاكرتها وأهلها. ومهما تعاقبت عليها المحن، ومهما حاول الدمار أن يترك بصماته على جدرانها، بقيت تحمل روحها وإيمانها وانتماءها.

ومنها انطلق الإمام موسى الصدر حاملاً قضية الإنسان وكرامته، رافعاً صوت المحرومين، ومؤسِّساً لنهجٍ ما زال صداه يتردّد في وجدان الجنوب وأبنائه. فكانت صور شاهدةً على ولادة مشروعٍ وطنيٍّ وإنسانيٍّ جعل من الكرامة قيمةً لا تُساوَم، ومن الانتماء إلى الأرض والدفاع عنها مسؤوليةً لا تسقط مهما اشتدّت التحديات.

سيبقى صوتُ الأذان المختلط بأجراس الكنائس،

وخطواتُ الناس العائدين إلى بيوتهم ولو كانت من حجارة،

وذاكرةُ الأرض التي تعرف أبناءها مهما طال الغياب.

فالمدن لا تُقاس بما تختزنه من تاريخ، وما تحمله من مواقف، وما تزرعه في أبنائها من كرامة. وأنتِ يا صور، كنتِ وما زلتِ عنواناً لذلك؛ مدينةً لا تنسى تاريخها، ولا تحيد عن مواقفها، وتبقى شامخةً كشموخ جبل عامل مهما اشتدّت الرياح وتعاظمت العواصف.

صور

30 أيار 2026

صدر داوود

Leave A Reply