تقليص أميركا لطاقمها الدبلوماسي في لبنان.. إدارة مخاطر أم إجراء تقني؟!

في ظلّ التوتر الإقليمي الذي بلغ مداه، يكتسب قرار الولايات المتحدة الأميركية تقليص عدد موظفي سفارتها في بيروت، وحظر سفر مواطنيها إلى لبنان أبعادًا تتجاوز الإطار الإداري أو التقني، ليعكس طبيعة المرحلة الحساسة التي تمرّ بها المنطقة.

بحكم موقع لبنان الجغرافي وتقاطعاته السياسية والأمنية والحضور الذي لا يزال وازنا للمقاومة، يُفترض أن يكون من أوائل المتأثرين بأي تصعيد بين واشنطن وإيران، ومع استمرار المواجهة غير المباشرة بين إيران وإسرائيل تتزايد احتمالات انتقال التوتر إلى ساحات متعدّدة في المنطقة، من بينها الساحة اللبنانية، لا سيما في حال إستغل العدو الصهيوني الحرب الإقليمية لتصعيد عدوانه على لبنان.

من المعروف أن الإدارة الأميركية تعتمد في مثل هذه الظروف سياسة الحماية الاستباقية، وهي سياسة تقوم على تقليل عدد الموظفين غير الأساسيين في البعثات الدبلوماسية ووضع قواعدها في حالة تأهب عندما ترتفع تقديرات المخاطر الأمنية.

هذا الإجراء لا يعني بالضرورة أن قرارًا بالحرب قد اتُّخذ، ولا يشكّل بحدّ ذاته مؤشرًا قاطعًا على ضربة عسكرية وشيكة، بل يندرج ضمن إدارة المخاطر في بيئة غير مستقرة.

وفي هذا الإطار تُعد المنشآت والطواقم الدبلوماسية أهدافًا متوقعة في حالات الحرب، وأي تهديد إعلامي أو أمني يُؤخذ في الحسبان ضمن حسابات الحماية والوقاية.

وبالتالي، لا يمكن فصل هذه الإجراءات عن المناخ السياسي والإعلامي المشحون في الإقليم، فالمواقف العالية السقف المتبادلة والحديث الإيراني المتنامي عن استهداف محتمل لمواقع أو مصالح أميركية يدخلان في إطار الحرب النفسية.

في هذا السياق، تسعى كل جهة إلى توجيه رسائل واضحة من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة حتى الآن، خصوصا في ظل إستئناف المفاوضات الأميركية الإيرانية يوم الخميس المقبل، حيث تحرص الولايات المتحدة أن تظهر بمظهر الجاهزية العسكرية والحذر في آنٍ معًا، فيما تعمل إيران على تثبيت معادلة ردع تمنع أي اعتداء قد يطالها، فيما يسعى نتنياهو إلى “صب الزيت على النار” عشية كل جلسة تفاوض.

مرة جديدة يجد لبنان نفسه في دائرة التوتر، فالدولة اللبنانية لا تُعدّ طرفًا مباشرًا في الصراع الأميركي–الإيراني، إلا أن موقعها السياسي وتوازناتها وحساسياتها الداخلية تجعلها عرضة لارتدادات هذا الصراع، وفي ظل أزمة اقتصادية ومالية خانقة، يشكل أي توتر أمني أكان داخليا أو خارجيا عامل ضغط جديد، على الاستقرار الوطني.

كذلك، لا يمكن إغفال البعد الإقليمي الأوسع. فالمنطقة تعيش مرحلة إعادة رسم توازنات دقيقة، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع الاعتبارات السياسية والاقتصادية، ما يعني أن أي خطوة، حتى وإن بدت محدودة، تُقرأ في ضوء هذه التحولات، من هنا فإن تقليص الطاقم الدبلوماسي الأميركي قد يكون من باب الحذر، وقد يكون إجراءً تقنيًا صرفًا، لكنه في جميع الأحوال يعكس إدراكًا أميركيًا لحساسية المرحلة والخوف من إمكانية تبدّل المعادلات بشكل مفاجئ.

يمكن القول، إن المنطقة تقف على حافة حرب شاملة بقدر ما تقف على حافة توازن دقيق تحكمه حسابات الردع المتبادل، وما قامت به الادارة الأميركية يندرج، على الأرجح، ضمن هذا الإطار الوقائي، إلا أن استمرار التصعيد الإعلامي والسياسي يترك الباب مفتوحًا أمام احتمالات متعددة.

وبين الردع والتصعيد، كل الأنظار تتجه إلى مفاوضات الخميس ليبقى العامل الحاسم هو قدرة كل الأطراف على ضبط إيقاع المواجهة ومنع تحوّل الرسائل السياسية إلى اشتباك مباشر في منطقة يبدو أن كل المعنيين فيها يلعبون فيها على حافة الهاوية.

غسان ريفي 

Leave A Reply