تفعيل «هيئة سلامة الغذاء»… على الورق!

بعد عشر سنوات على موافقة حكومة الرئيس تمام سلام، على إنشاء «الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء» وإطلاق آلية تعيين رئيسها ونائبه وأعضاء مجلس الإدارة فيها، أصدرت حكومة الرئيس نواف السلام، مرسوم تعيين هؤلاء.

غير أن الخطوة لم تكن بالجدّية الكافية لتفعيل الهيئة، ومباشرة عملها في مستنقع «الخـ..»، على حدّ تعبير وزير الصحة الأسبق وائل أبو فاعور، عندما أطلق حملة سلامة الغذاء في العام 2014. إذ لم تُرصد ميزانية للهيئة، في موازنة العام الحالي، ولا حتى مكتب مجهّز في مقرّ مجلس الوزراء، كونها تتبع إدارياً له. يعني «لا كرسي ولا طاولة نقعد عليهم»، يقول رئيس الهيئة المعيّن حديثاً، إيلي عوض. صحيح أنه يمكن تعويض «القعدة»، إلا أن ما لم يعد ممكناً التأخر به هو رصد الأموال في الفصل المتعلّق بالهيئة، قبل إقرار الموازنة العامة أواخر الشهر الجاري. فدون ذلك، لا يمكن لها مباشرة عملها، وعليه سيكون التشكيل لا معنى له.

حتى اللحظة، لا بوادر حلحلة، إذ إن ما وعدت به الهيئة هو «نقل اعتماد» لا يكفي لإطلاق عجلة الأعمال. فبناءً على البرنامج والاستراتيجية الوطنية التي وضعتها الهيئة على مدى خمس سنوات، يقدر عوض أن تكون كلفة العام الأول من الانطلاقة 7.7 مليون دولار، مشدداً على المطالبة بـ«الحدّ الأدنى» من الأموال لانطلاق العمل وإصدار المراسيم التطبيقية. وفي حال، لم تؤخذ حسابات الهيئة بعين الاعتبار، فإن ذلك يعني سنة إضافية من الوقت الضائع. وهذا ليس مستغرباً من سلطة تميّع قانون سلامة الغذاء وما نتج عنه من تشكيلات، وأبرزها الهيئة، منذ العام 2015، عندما أُقرّ بعد معارك طاحنة و14 عاماً من التنقل بين اللجان المشتركة في المجلس النيابي.

وهو ما يبدو «منطقياً»، بحسب رئيس جمعية حماية المستهلك، زهير برو، نظراً إلى «التحالف الرهيب بين الأحزاب والتجار والسياسيين والمصارف الذي يمنع أي شيء لمصلحة الناس». يتحدّث برو عن لوبي حاكم في قطاع الغذاء، من سياسيين وأصحاب «سعادة ومعالي»، يملكون وكالات حصرية وشركات أعمال في قطاع الغذاء.

بالأرقام، يقول برّو إن «حجم هذا القطاع بين زراعة وتجارة واستيراد ومطاعم وفنادق وبيوت وغيرها يقارب 12 مليار دولار سنوياً، وهذا حجم هائل». ولذا، فإنّ أي قانون تنظيمي يمكن أن تكون مفاعيله عكسية، بمعنى أن التطبيق الصارم قد يؤدي إلى خسارة 25 إلى 30% من المداخيل، كونها «تتأتّى من الغذاء الفاسد والتزوير والتلاعب بتواريخ صلاحية المنتجات وغيرها من الأمور». من هذا المنطلق، يحسم برّو أن سبب المماطلة والتمييع الأساسي هو «بالكامل اقتصادي»، مع الأخذ بعين الاعتبار سلسلة الفساد «المنظمة التي تملك قنواتها الخاصة، وتستطيع عبرها تمرير صفقاتها وتحقيق أرباح خيالية». وهذا ما يفسّر أن «الغذاء الفاسد لا يرمى إلا بمداهمة، أي أن لا أحد يرمي غذاء فاسداً من تلقاء نفسه، كونه يدرّ عليه ربحاً بعد التلاعب به». ويفسّر أيضاً النهج الفاسد للسلطة، ومن الأمثلة عليه «بواخر القمح والأرز التي رفضت في مصر واستقبلت في لبنان».

وفي ظل ما يجري، يبدو مفهوماً هذا التغاضي عن الدور الأساسي للهيئة المسؤولة، بحسب القانون، عن سلامة الغذاء من ألفه إلى يائه. ومع الإشارة إلى أن الغذاء اليوم تضيع سلامته بين ثماني وزارات، تخوض كل واحدة منها معركتها الخاصة لحماية صلاحيتها، لا حماية المواطنين، يؤكد عوض، وفقاً للقانون، أن الهيئة لا يقوم دورها على إلغاء صلاحيات الوزارات، وإنما تنظيم العمل. ويأتي في هذا الإطار طرح أن تكون انطلاقتها عبر توقيع مذكرات تفاهم مع الوزارات المعنية، لتكثيف العمل على سلامة الغذاء، و«الاستفادة من المراقبين الصحيين» لديها. فالهيئة جديدة ولا تملك اليوم نظاماً داخلياً خاصاً بها، فيما من المفترض أن يكون لديها ما يشبه الضابطة العدلية.

 راجانا حمية – الأخبار

Leave A Reply