إحباط لبناني من “الميكانيزم”.. عجز كامل عن ردع العدو!

منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار وإنشاء لجنة “الميكانيزم” لمراقبة تنفيذه، ساد اعتقاد لدى شريحة واسعة من اللبنانيين بأن ثمة فرصة ولو محدودة، للحد من الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، أو على الأقل لفرض التزامات ميدانية على العدو.

غير أن الوقائع اللاحقة سرعان ما بدّد هذا الإعتقاد، إذ تحوّلت اللجنة من قوة يُفترض بها أن تضبط الخروقات والاعتداءات، إلى إطار يوثّقها من دون أن يمتلك القدرة على وقفها.

منذ بدء عمل “الميكانيزم”، لم تُظهر إسرائيل أي التزام فعلي بوقف إطلاق النار، فالاعتداءات لم تتوقف، والانسحاب من النقاط الخمس لم يُنجز، وسياسة فرض الأمر الواقع بالقوة بقيت هي السائدة.

غير أن الإشكالية لا تتوقف عند حدود العجز، بل تتجاوزها إلى خلل في الوظيفة والدور، فبدلاً من أن تشكّل اللجنة عنصر ضغط على إسرائيل، برزت مؤشرات إلى استخدامها لمراقبة انتشار الجيش اللبناني، في معادلة تفتقر إلى الحد الأدنى من التوازن، وتساوي عملياً بين المعتدي والمعتدى عليه.

هذا الانحراف في الدور أضعف صدقية “الميكانيزم”، وكرّس قناعة بأنها تُدار وفق أولويات لا تنسجم مع مقتضيات السيادة اللبنانية أو متطلبات الأمن الوطني.

في هذا السياق، تتقاطع الانتقادات اللبنانية مع معطيات عن محاولات إسرائيلية لاستثمار “الميكانيزم” سياسياً، عبر الدفع باتجاه إدخال عناصر مدنية جديدة إلى اللجنة، وفتح نقاشات ذات طابع سياسي أو اقتصادي، فضلا عن الإيحاء بإمكانية إنتقال الإجتماعات من الناقورة إلى أماكن أخرى سواء في لبنان أو خارجه، الأمر الذي يضاعف من الإحراج اللبناني تجاه الشروط الاسرائيلية.

هذه المقاربة، التي تُسوَّق كمسار تقني، تُقرأ في الداخل اللبناني كمدخل إلى تطبيع مقنّع، وهو ما يرفضه لبنان رسمياً وشعبياً وترفضه المقاومة، انطلاقاً من ثوابت وطنية راسخة.

كل ذلك، أدى إلى حالة إحباط لبنانية تجاه “الميكانيزم” وهي لا تعكس موقفاً سياسياً ظرفياً، بقدر ما تعبّر عن خلاصة تجربة عملية، على قاعدة “من جرب المجرب كان عقله مخرباً”، فالتصعيد الإسرائيلي مستمر ويزداد وحشية، فيما بقي حضور اللجنة بلا تأثير فعلي على الأرض، ما جعل النقاش يتوسّع حول جدوى استمرارها بالشكل الحالي، ومعنى الاجتماعات الدورية التي لا تنعكس تغييراً في الواقع الميداني.

الحديث عن تقليص وتيرة الاجتماعات من مرتين في الشهر إلى مرة واحدة، ما يشير إلى حصرها بالإطار العسكري، يُفهم على أنه اعتراف ضمني بفشل الرهانات على “الميكانيزم”، فالتعديلات الشكلية فيها لم تُنتج أي تغيير في سلوك إسرائيل، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن في تركيبة اللجنة بقدر ما تكمن طبيعة التوازنات التي تحكم عملها وعجزها عن مواجهة الغطرسة الإسرائيلية.

أمام هذا المشهد، تبرز مقاربة تعتبر أن الضمانات الفعلية للاستقرار لا تُختزل بلجان رقابية بلا أدوات تنفيذ، ولا بآليات تُدار بمنطق التسويات الهشّة، بل بقدرة الردع التي أثبتت تاريخياً أنها العامل الوحيد القادر على فرض التزامات على إسرائيل، فالتجربة تُظهر أن القوانين الدولية والآليات الأممية تفقد فاعليتها حين لا تقترن بعناصر قوة تفرض احترامها، خصوصا بعد فشل الدبلوماسية اللبنانية في الضغط على أميركا والمجتمع الدولي لدفع إسرائيل على القيام بخطوات إيجابية مقابل أكثر من ست خطوات قام بها لبنان منذ إعلان وقف إطلاق النار.

في المحصلة، تبدو لجنة “الميكانيزم” بصيغتها الراهنة بعيدة كل البعد عن أداء الدور الذي أُنشأت من أجله، وأي نقاش جدي حول مستقبل الاستقرار في جنوب لبنان لا يمكن أن يتجاهل حقيقة أساسية هي ضرورة تبديل الآليات نحو مزيد من ممارسة الضغط والصمود، وما دون ذلك ستبقى اللجان حبراً على ورق، والاجتماعات مجرد مناسبات لتعداد الخروقات، لا لمنع وقوعها..

غسان ريفي – سفير الشمال

Leave A Reply