هكذا نبقى في أمل ..رغم العواصف – كتب الشيخ ربيع قبيسي

في تلك الليلة من كانون كانت العاصفة تعصف بكل شيء إلّا بالقلوب، المطر غزيرٌ والبرد قاسٍ والجنوب يلفّه شتاءٌ عنيد، لكنّ داخل القاعة في بلدة باتوليه كان مشهدٌ آخر: دفءٌ لا تصنعه المدافئ بل تصنعه القناعات.

كنت أتحدّث في لقاءٍ تنظيمي، والوجوه أمامي كانت تقول أكثر ممّا أقول، شبابٌ ورجالٌ ونساء .. جاؤوا رغم الطقس والعاصفة ورغم التعب، ومن بين الجميع دخلت امرأة ثمانينية تقدمت الجميع وسبقتهم، تقدّمت بخطى بطيئة، لكن بقلبٍ يسبق الزمن، دخلت كأنها تدخل إلى صلاة، وجلست كمن يعرف تمامًا لماذا جاء.

بعد اللقاء قيل لي: هذه الحاجة أم علي درباع وعندما سألوها: بهالطقس والعاصفة .. ما خِفتي تجي؟

فضحكت وتنهّدت وكأنها ببساطة تشبه الحكمة تقول: اللي عاشوا مع الإمام موسى الصدر .. ما بخافوا من العواصف والمطر .

بعدها أخبرنا ابنها أبو جميل أنه قال لها: اليوم العاصفة قوية والبرد قاسٍ، ما تجي على اللقاء فأجابت مستنكرة: لا لا .. الحاج فضل قال في اجتماع حركي والكل رح يحضر، وكأنها كانت تهمس بما هو أعمق: الإمام موسى الصدر لا يرتاح .. إذا نحن ارتحنا، ثم يؤكد أبو جميل أنها اقتنعت ألا تخرج في العاصفة، لكنه عندما وصل إلى اللقاء وجدها قد سبقته وحضرت.

أم علي من أمهات الجنوب هي من زمنٍ كان فيه اسم أمل يُقال همسًا، واليافطات تُعلّق سرًّا والانتماء فعل شجاعة لا شعارًا، عرفت التعب لكنها لم تتعلّم التراجع.

قالت بهمسها الذي يشبه القسم: أنا جاي اليوم لأنو في تضحيات، في مقا~ومة، في شه~داء، في شباب متل الورد، وفي أمانة بعدها محمولة، وفي وفا وفخر بحامل أمانة الصدر .. نبيه بري يلي بعده بيسهر ليرتاح الوطن، وبعده بيحمل حتى ما نصير بمزابل التاريخ.

حينها فهمت:

أنّ الانتماء لا يشيخ وأنّ الأعمار تُقاس بالمواقف لا بالسنين، وأنّ حركة أمل ليست تنظيمًا فقط، بل ذاكرة حيّة وسلسلة وفاء، تبدأ من الإمام موسى الصدر الذي جعلها حركة لا تموت ولا تنتهي.

في وجه العاصفة كانت أم علي راية: راية لا تسقط ولا تبلّلها الأمطار، هكذا هو الجنوب وهكذا هي باتوليه وأخواتها، وهكذا تُروى حكاياتنا:

نولد شبابًا ونكبر وفاءً.

أم علي ليست حالة عابرة بل شهادة حيّة على أن الفكرة الصادقة تبقى، تشيخ الأجساد .. ولا تشيخ الأرواح، أم علي درباع امرأة لم تكن تحضر اجتماعًا تنظيميًا فقط، بل كانت تاريخٌ يمشى على قدمين، ووفاءٌ رفض أن يتقاعد ورسالة تقول لنا جميعًا: إنّ الطريق الذي بدأه الإمام موسى الصدر لا يُكمِله المتفرّجون، بل الذين يمشون فيه ولو تحت المطر ولو بثقل العمر.

هكذا تُحفظ الأمانة وهكذا يُصان الدم وهكذا نبقى في أمل.

بقلم المسؤول الثقافي لحركة أمل في إقليم جبل عامل

الشيخ ربيع قبيسي

١٨/١/٢٠٢٦

Leave A Reply