حسن حمدان.. رائد التنمية المُؤسسية
هيثم زعيتر-
لم يكن خبرُ رحيل القائد الكشفي الحاج حسن أمين حمدان “أبو علي”، رئيس “جمعية رواد كشافة الرسالة”، عادياً، بل شكّل صدمةً ووقعاً مُوجعاً على أهله ومُحبيه، وكلّ من عرفه أو سمع عنه.
الرحيل، يوم الأربعاء في 14 كانون الثاني/يناير 2026، بعد 20 يوماً من إتمام عامه الـ61، اهتزّت له القلوب، وذُرفت الدموع، وبكاه الرجال والشبان قبل النساء والزهرات، الذين عرفوه قائداً ومُربّياً، وأخاً وأباً، وصديقاً صادقاً صدوقاً، آمن بأن الكشاف رسالة، فكانت “كشافة الرسالة الإسلامية”، وما تفرّع عنها من مُؤسسات، وبأن الشعار ليس كلمات، بل مُمارسة، ليكون “مُستعداً” بشكلٍ دائم.
رحل من ترك أثراً لا يُمحى، ومسيرةً حافلةً بالبصمات والإنجازات، جذورها ضاربة في أرض جبل عامل الصلبة، من أرنون الشاهدة على الصمود، وقلعة الشقيف التي شكّلت رمزاً للمُواجهة والتحدي والثبات.
آمن بأن التنمية زرعٌ يبدأ من الجذور، وأن الإنسان يُبنى مُنذ طفولته حتى رجولته، فكان وفياً لفكرة التربية قبل الإدارة، والقدوة قبل الموقع.
نشأ الحاج حسن حمدان في بيتٍ مُؤمنٍ وطني، ربّاه على الإيمان والتقوى، وحبّ الخير والآخرين، والدفاع عن المظلومين، فانتمى في ريعان شبابه إلى خط الإمام السيد موسى الصدر، والتحق مُبكراً بحركة “أمل” مع انطلاقتها.
وتحت قيادة الرئيس نبيه بري، كان مُقاوماً ومسؤولاً وقائداً في مُختلف المجالات، قبل أن يُركز جهوده على “كشافة الرسالة الإسلامية”، التي يرأسها الرئيس بري، حيث تولّى الراحل تفعيلها وصولاً إلى منصب المُفوض العام، فكان من روّادها وقادتها الأوائل.
استفاد من شبكة علاقاته الواسعة، وبدعمٍ مُباشر من الرئيس النبيه، في سبيل تطوير الكشافة ومُؤسساتها وتعزيز حضورها الوطني، فشكّل في “كشافة الرسالة الإسلامية” مدرسةً قائمةً بذاتها، عمل من خلالها على إعداد الأجيال من الأشبال والزهرات والشباب والفتيات، وصولاً إلى القادة، فكان مُربّياً ومُوجّهاً ومُدرّباً.
شارك في إعداد وتأهيل القادة عبر الدورات، خاصة “الشارات الخشبية”، بالتعاون مع المُفوّض العام لـ”اتحاد كشاف لبنان” الراحل مصطفى عبد الرسول، فكان في طليعة الذين رسّخوا ثقافة التدريب المنهجي والاحترافي في العمل الكشفي.
وكان له دورٌ فاعل في “اتحاد كشاف لبنان”، و”الحركة الكشفية العربية والإسلامية”، وصولاً إلى الحركة الكشفية العالمية.
لم يكن عمله محصوراً في الإطار الكشفي، بل عمل على تطوير مُؤسسات “كشافة الرسالة الإسلامية” لتُواكب مُتطلبات التصدي للعدوان الإسرائيلي، ومحو آثار الاحتلال والإهمال، والعمل في مجال التنمية، فانطلقت “جمعية الرسالة للإسعاف الصحي”، و”جمعية مرشدات الرسالة الإسلامية”، وأضحت لهما مراكز ومعالم في معظم بلدات الجنوب والبقاع وضاحية بيروت الجنوبية، والعديد من المناطق اللبنانية، حاضرةً في الحروب والأزمات، كما في نزع الألغام، والسلم، لتُشكّل بلسم جراح لأبناء الجنوب.
كانت مراكز وعناصر وسيارات “إسعاف كشافة الرسالة” هدفاً مُباشراً للاعتداءات الإسرائيلية، فدُمّرت العديد منها مراراً، لكنه كان يُعيد البناء والتأهيل بإصرار، لأن الكشاف ـ كما كان يُؤكّد ـ “يجب أن يبقى جاهزاً مهما اشتدّت الظروف والمحن”.
أسهم “أبو علي” في إنشاء وتطوير مرافق ومراكز تدريبية وتنموية بارزة، من “مُعتقل الكرامة” في “مُعتقل أنصار” والمركز التدريبي هناك، إلى المدينة الكشفية في زفتا، وصولاً إلى مشاريع تنموية وسياحية قرب “قلعة الشقيف”، على الرغم من تعرّضها المُتكرر للعدوان الإسرائيلي.
لم يسعَ في أيّ يوم إلى منصب أو لقب، بل كانت سمته التواضع، وخدمة الناس بوصلته، في التعليم، وتأمين فرص العمل، ومُساعدة المُحتاجين، والأرامل والأيتام، وأسر الشهداء والجرحى والأسرى، بصمتٍ ومسؤولية، وتنظيم حملات الحج والعمرة، وزيارات العتبات المُقدسة.
وفي المجال التنموي والبيئي، عمل الراحل تحت إشراف رئيسة “الجمعية اللبنانية للحفاظ على آثار وتراث الجنوب اللبناني” (آثار جل)، السيدة رندة بري، على تنفيذ مشاريع تنموية تُؤمّن فرص العمل والمُساعدة للمُحتاجين، وإقامة الأعراس الجماعية، وتعزيز صمود المرأة والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة، فضلاً عن حماية الآثار والبيئة، وإقامة المحميات وحملات التشجير.
لم يقتصر حضور الحاج “أبو علي” على منطقة من دون غيرها، بل كان حيثما وُجد حق للإنسان والبيئة.
وأذكر أنه، مع تدشين مُفتي صيدا والجنوب الراحل الشيخ محمد سليم جلال الدين “مقبرة صيدا الجديدة” في محلة سيروب، في آب/أغسطس 1999، طلبتُ منه آلاف النصوب، التي أمّنها لزراعتها داخل المقبرة، والتي ما زالت تُكلّلها بخُضرتها حتى اليوم.
هو ابن العائلة العاملية الأصيلة في أرنون، البلدة التي احتضنت جسده اليوم، وكانت شاهدةً على انطلاقات التحرير في 26 شباط/فبراير 1999، قبل الإنجاز التاريخي في 25 أيار/مايو 2000.
ومن أرنون، كان نظره يتجاوز الجنوب كلّه، من القلعة الشامخة إلى مُختلف المناطق، وصولاً إلى مزارع شبعا وجبل الشيخ، وفلسطين التي ناضل من أجلها بكل الوسائل، مُؤمناً بعدالة قضيتها وحق أبنائها، الذي لا يسقط بمُرور الزمن ولا بالتقادم.
كان خفيف الظل، قريباً من القلب، صلباً في الموقف، ليّناً في المعشر، حريصاً على التواصل الذي لم ينقطع يوماً، إذ عمل بصمتٍ وبتواضع من يعرف أن قيمة الإنسان فيما يُقدّمه لا فيما يُعلنه.
رحل جسداً، وبقي أثراً، وبقيت بصماته مزروعةً في الأرض والناس والمُؤسسات.
سلامٌ لروحك أيها العزيز الراحل “أبو علي”.
نفتقدك أخاً وعزيزاً عرفناه على مدى عقودٍ عدة.
ستبقى ذكراك خالدة.
وستبقى رسالتك حاضرة.
دائماً مُستعداً.. كما كنت، وكما علّمت.

