ثمة سباق محموم يشهده لبنان هذه الأيام بين مساعي إعادة الإعمار في الجنوب، والتصعيد العسكري الإسرائيلي المتواصل على الحدود. فبينما تسعى الدولة إلى فتح صفحة جديدة من التعافي الاقتصادي عبر إطلاق ورشة إعمار وطنية شاملة، تواصل إسرائيل إرسال رسائل نارية وتهديدات يومية، بحجة أنّ «حزب الله» أعاد بناء قدراته العسكرية في المناطق الحدودية.
في هذا المناخ الملبَّد بالتوتر، جاء «مؤتمر المصيلح التشاوري للإعمار» ليشكّل بارقة أمل وسط الركام، حيث عكس اهتماماً سياسياً وشعبياً واسعاً بضرورة إعادة الحياة إلى القرى المدمّرة، وتأمين التمويل اللازم لعودة الأهالي إلى أراضيهم. لكنّ الحماسة الوطنية سرعان ما تصطدم بجدار الواقع القاسي: فالمجتمع الدولي ممتنع عن تقديم المساعدات طالما أن ملف سلاح حزب الله لم يُحسم، وطالما أنّ التوتر مع إسرائيل يهدّد بإشعال جولة جديدة من الحرب في أي لحظة.
إنّ المعضلة اللبنانية باتت واضحة: كيف يمكن إطلاق ورشة إعمار حقيقية فيما البلاد لا تزال عالقة بين خطوط النار؟ فالمستثمرون والداعمون الخارجيون يشترطون الاستقرار الأمني والسياسي قبل ضخّ الأموال، في حين يرى بعض اللبنانيين أنّ الإعمار بحد ذاته هو مفتاح الاستقرار. وهكذا يدور لبنان في حلقة مفرغة بين سلاحٍ لم يُسلَّم، وتهديدٍ لم يتوقف، ومشاريع إعمار مؤجلة تنتظر التفاهمات الكبرى.
الحقيقة أنّ أي خطة جدّية لإعادة الإعمار لا يمكن أن تنجح دون بيئة سياسية وأمنية مستقرة. وهذا الاستقرار لن يتحقق إلا من خلال مفاوضات حقيقية تضمن الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، بالتوازي مع تفاهم داخلي يُنهي إزدواجية السلاح ويحقق الحصرية بيد الدولة فقط. .
إنّ ورشة الإعمار ليست مجرد مشروع اقتصادي، بل اختبارٌ لجدية الدولة في استعادة سيادتها وقرارها. فإما أن يربح لبنان سباق الإعمار ويُعيد نبض الحياة إلى الجنوب، وإما أن يظل رهينة بين تصعيد العدو من الخارج وتصلّب السلاح في الداخل، لتبقى وعود الإعمار مجرّد حلمٍ معلق فوق أنقاض الحرب.
يبقى التحدي الأساسي أمام لبنان اليوم هو تحصين ورشة الإعمار من التوظيف السياسي والعسكري، عبر تحويلها إلى مشروع وطني جامع يعبّر عن وحدة اللبنانيين وحقهم في الحياة الكريمة، بعيداً عن منطق الشروط والتهديدات. فالإعمار ليس ترفاً، بل هو معركة بقاء في وجه العدوان والحرمان معاً.
صلاح سلام – اللواء

