تتجه الأنظار الى الكلمة التي سيلقيها رئيس مجلس النواب نبيه بري في المهرجان الذي يقام لمناسبة الذكرى السابعة والأربعين لتغييب الإمام موسى الصدر يوم غد الأحد، خصوصا أن مضمونها سيرسم خارطة طريق فإما الى مزيد من التأزيم أو الى التهدئة، خصوصا بعدما أدرك الجميع أن الجولة الأميركية الأخيرة لم تحمل جديدا، وأن السفير توم باراك كان يتبنى بشكل كامل الاملاءات الإسرائيلية التي تريد تجريد حزب الله من سلاحه أولا، وبعد ذلك تفكر في إمكانية تقليص وجودها في الجنوب اللبناني.
لا شك في أن ما بعد الجولة الأميركية ليس كما قبلها، خصوصا لجهة الضغوط التي مارسها وفد توم باراك على رئيسيّ الجمهورية والحكومة وقائد الجيش للمضي في قرار سحب سلاح المقاومة، من دون إقامة أي إعتبار للتداعيات التي يمكن أن تنتج عنها، وفي ظل تجاهل كامل للاعتداءات الاسرائيلية المستمرة على لبنان.
هذا الواقع، أدى الى مزيد من التشنجات التي ترجمت أولا، في تأكيد حزب الله رفضه المطلق تسليم السلاح معتبرا أن كل ما يجري لا يعنيه لا من قريب ولا من بعيد، مع تشديده على أنه مستعد لمواجهة كل السيناريوهات وتقديم كل التضحيات إلتزاما بما قاله الأمين العام الشيخ نعيم قاسم في خطابه الأخير.
وقد تم إيصال هذه الرسائل عبر بعض القنوات الى من يعنيهم الأمر، في وقت لم يحصل أي لقاء بين رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد ورئيس الجمهورية العماد جوزيف عون كما كان متوقعا وفقا لتسريبات إعلامية، ما يعني أن طريق بعبدا والسراي على حد سواء ما يزال مقطوعا طالما أن الحكومة مصرة رغم كل ما تبلغته من الوفد الأميركي على قراراتها.
وثانيا في الموقف التصعيدي للرئيس نبيه بري الذي أبدى خيبة أمله من زيارة توم باراك كونه لم يلتزم بكل ما تعهد به، ولم يحمل من إسرائيل أي إيجابية تجاه الشروط اللبنانية، ومارس الضغوط لتمرير إملاءات العدو.
واللافت أن الرئيس بري أكد أن ما يُطرح على لبنان اليوم هو أسوأ بكثير من 17 أيار، وقد ذكرت بعض وسائل الاعلام أنه يقصد إتفاق وقف إطلاق النار الذي وُقع في 27 تشرين الثاني الفائت، في حين أكدت مصادر مقربة لـ”سفير الشمال” أن ما قصده الرئيس بري هو تفاصيل ورقة توم باراك والرد الاسرائيلي عليها، وما يريد أن يفرضه الأميركي على لبنان معتبرا أنه أسوأ من إتفاق 17 أيار.
وترى هذه المصادر أن كلام بري يشكل تصعيدا كبيرا خصوصا أن 17 أيار تمت مواجهته بإنتفاضة شعبية، وأن إستمرار الوضع على ما هو عليه قد يؤدي الى نفس السيناريو.
وتلفت المصادر نفسها الانتباه الى أن موقف الرئيس بري جاء قبل 48 ساعة من كلمته المنتظرة التي سيلقيها في ذكرى تغييب الامام موسى الصدر، وهو ربما ينتظر بعض الرسائل من الرئيسين عون وسلام والتي على أساسها سيقرر مضمون كلمته، فإذا كانت إيجابية فإن الكلمة ستتخذ مسار التهدئة، وإذا إستمرت في سلبيتها فإن الكلمة ستكون نارية، مع الثبات على مسلمات الإمام موسى الصدر لجهة الحرص على دور لبنان وموقعه ورسالته وعلى التعايش والوحدة الوطنية.
وثالثا، في موقف قائد الجيش العماد رودولف هيكل الذي أكد “أن الجيش مقبل على مرحلة دقيقة يتولى فيها مهمات حساسة، وهو سيقوم بالخطوات اللازمة لنجاح مهمته آخذا بالاعتبار الحفاظ على السلم الأهلي والاستقرار الداخلي”.
وترى مصادر مواكبة أن الحكومة رمت كرة النار في ملعب الجيش الذي يدرك أنه في مهمة بالغة الصعوبة، لكن ذلك لن يكون على حساب الاستقرار الذي تشكل له المؤسسة العسكرية صمام الأمان.
في ظل هذا الاحتقان شكل موقف الزعيم وليد جنبلاط علامة فارقة من شأنها أن تقلب الكثير من الموازين، حيث رأى أن “ما يطرح على لبنان هو إملاء إسرائيلي يهدف الى فرض الاستسلام، مشددا على أن الحل يكمن في الحوار لإقناع حزب الله وليس بالمواجهة العسكرية”.
لا شك في أن جنبلاط بدأ يستشعر الخطر من تنامي حالة الاحتقان في البلاد، ويريد في الوقت نفسه الوقوف الى جانب حليفه التاريخي الرئيس نبيه بري ودعم توجهاته، وهو بموفقه فتح ثغرتين، الأولى لرئيس الحكومة كي يتراجع عن قراراته طالما أن ورقة باراك سقطت برفض إسرائيل تطبيق بنودها، والثانية لرئيس الجمهورية جوزيف عون بالدعوة الى حوار ينفّس الأجواء ويحمي الاستقرار الداخلي.
غسان ريفي

