أربعة أيام دراسة… حلّ اضطراري أم بداية انهيار تربوي؟

تحت وطأة الضغوط الاقتصادية الخانقة، وجدت وزارة التربية نفسها مضطرة لاتخاذ قرار حساس يقضي باعتماد أربعة أيام تدريس أسبوعياً في المدارس الرسمية بدلاً من خمسة. وزيرة التربية ريما كرامي، ومن قصر بعبدا، برّرت الخطوة بأنها “إجراء استثنائي فرضته الموازنة القديمة”، مؤكدة في الوقت نفسه أنّ هذه السنة ستكون الأخيرة لتطبيقه، مشيرة إلى تمديد الحصة الدراسية إلى خمسين دقيقة، ما يضيف نصف ساعة يومياً كتعويض جزئي عن الفاقد التعليمي.

القرار جاء عقب اجتماع إداري موسّع ترأسته كرامي بحضور المدير العام للتربية فادي يرق ومديري التعليم والإرشاد والتوجيه، حيث نوقشت ملفات انطلاقة العام الدراسي الجديد من المناقلات وتوزيع الكادر التعليمي، إلى مناهج المركز التربوي للبحوث والإنماء وملف دمج الصفوف والكوادر الإدارية والمختبرات. وأكدت كرامي خلال الاجتماع على “مركزية المعايير ولامركزية التنفيذ”، موضحة أن القرارات النهائية ستصدر بشكل رسمي عبر المناطق التربوية.

إلا أن اعتماد أربعة أيام فقط يثير نقاشاً تربوياً واسعاً، إذ يرى خبراء أن تقليص أيام الدراسة لا يمكن تعويضه بزيادة دقائق معدودة على الحصص، خصوصاً أن الطلاب في لبنان يعيشون منذ سنوات على وقع مناهج منقوصة وبرامج غير مكتملة. وبينما تصف الوزارة هذا القرار بالاضطراري والمؤقت، يبقى السؤال: هل يمكن للتعليم الرسمي أن يصمد أمام مزيد من “التكيّف القسري” مع الأزمات، أم أن ذلك يسرّع في اهتزاز مكانة الشهادة اللبنانية وجودة التعليم على المدى البعيد؟

محفوض: أربعة أيام تعليم “كارثة تربوية”

“تربوياً، التعليم يجب أن يكون خمسة أيام في الأسبوع، وأي تقليص هو ضربة مباشرة لمستقبل الطلاب”. بهذه الكلمات استهلّ نقيب المعلمين نعمة محفوض حديثه إلى “لبنان الكبير”، منتقداً قرار وزيرة التربية ريما كرامي القاضي بحصر التدريس في المدارس الرسمية بأربعة أيام أسبوعياً، مع ترك يوم إضافي للأساتذة للتدريس في المدارس الخاصة.

محفوض شدّد على أن الخطوة ليست جديدة تماماً، إذ إن التعليم الرسمي في لبنان اعتاد لسنوات طويلة على نظام الأيام الأربعة، بل وصل أحياناً إلى ثلاثة أيام فقط. لكنه اعتبر أن ربط الموضوع بالاعتبارات المالية وحدها “هو الخلل الأكبر”، مضيفاً: “إذا كان راتب الأستاذ غير كافٍ، فالحل بتحصيل الحقوق عبر الإضراب أو الضغط، لا عبر تقليص أيام التدريس. نحن نؤدي واجبنا التربوي بخمسة أيام، ثم نطالب بحقوقنا. أما أن نساوم على مستقبل التلاميذ فهذا غير مقبول”.

ورداً على تعديل مدة الحصص الدراسية لتصبح 50 دقيقة بدلاً من 45، رأى محفوض أن هذا الإجراء “لا يقدم أي حل، بل يشكّل مسكّناً شكلياً”، موضحاً: “القضية ليست في طول الحصة أو قصرها، بل في استكمال المنهج كاملاً. الطلاب منذ عام 2019 يتقدّمون إلى الامتحانات بربع البرنامج، فكيف ننتظر منهم أن يكونوا مؤهلين لمتابعة دراستهم الجامعية؟ الجامعات تحتاج إلى معرفة ومهارات متينة، بينما ما يجري حالياً يفرّغ الشهادة اللبنانية من قيمتها”.

وأشار إلى أن التعليم الرسمي يواجه خطراً بنيوياً: “إذا استمرت الأمور على هذا النحو، سنكون أمام جيل كامل يفتقد إلى أساسيات العلم. نحن لا نتحدث عن رفاهية تربوية، بل عن الحد الأدنى من مقومات التعليم. فالمناهج عُدّلت أكثر من مرة منذ 2019 من دون رؤية واضحة، والطلاب يدفعون الثمن”.

وبشأن المقارنة بين المدارس الرسمية والخاصة، شدّد محفوض على أن “المناهج واحدة في كل لبنان، لكن المدارس الخاصة تدرّسها بشكل كامل وتُعِدّ طلابها جيداً، بينما يقتصر التعليم الرسمي على ربع البرنامج. وبالتالي، يحصل طلاب الخاص على شهادة متينة، في حين يبقى طلاب الرسمي بمستوى أدنى، وهذا يضرب العدالة التربوية ومستقبل البلاد”.

وختم بالقول: “الحل الأمثل أن نعود إلى التعليم خمسة أيام مع برنامج كامل، وأن نستمر بمعركتنا لتحصيل حقوقنا. أما أن نُقنع أنفسنا بأن أربعة أيام تكفي أو أن نقلّص المناهج، فهذا استسهال يدمّر المدرسة الرسمية ويضرب سمعة الشهادة اللبنانية التي طالما كانت قيمة في العالم العربي”.

الطويل: الأزمة مالية والحل برواتب عادلة

“المشكلة الأساس ليست تربوية بل مالية”. بهذه العبارة اختصرت رئيسة اتحاد لجان الأهل في المدارس الخاصة لمى الطويل موقفها من قرار تقليص أيام التدريس في المدارس الرسمية. وأكدت في حديثها إلى “لبنان الكبير” أن “الاتحاد يُعنى بالمدارس الخاصة، لكن بما أن المنهج واحد والشهادة واحدة في لبنان، فإن أي خلل في القطاع الرسمي ينعكس على جميع الطلاب”.

الطويل أشارت إلى أن تقليص ساعات التعليم “قد يؤثر تربوياً على التلاميذ”، موضحة أن “المدارس الخاصة تلتزم عادة ببرنامج ثابت يقارب 27 ساعة أسبوعياً في المرحلة الابتدائية، فيما في الرسمي يتم اللجوء إلى حلول ترقيعية بسبب غياب التمويل الكافي لتغطية رواتب الأساتذة على أساس خمسة أيام”.

وشدّدت على أن “الوزارة ما زالت تعمل وفق موازنة السنة السابقة، وبالتالي لا يتوافر المال الكافي لدفع المستحقات كاملة. لذلك نرى دوماً لجوءاً إلى الترقيع في الحلول، بينما المطلوب إصلاح حقيقي يوفّر للأساتذة رواتب عادلة تمكّنهم من إعطاء خمسة أيام تعليمية كاملة”.

وأكدت الطويل أن الأهالي معنيون قبل غيرهم بالبعد التربوي، وقالت: “نحن نطالب بالعودة إلى 170 يوماً دراسياً كاملاً في السنة، فهذا هو المعيار الأساسي لنجاح أي برنامج. مسؤولية الوزارة أن تضمن أن أولادنا ينالون الكفايات كاملة وفق المنهج، ونحن نثق بأنها ستأخذ هذا الأمر على عاتقها”.

وختمت بالقول: “الموضوع في جوهره مالي بحت، وهو مسؤولية الدولة والحكومة، وعليهما أن تعالجا هذه الأزمة جذرياً بدلاً من الاكتفاء بالحلول المؤقتة”.

عمر عبدالباقي – لبنان الكبير

Leave A Reply