لم يكن مستغرباً أن تتحرك إيران في لبنان والمنطقة لتثبيت حضورها الإقليمي في حمأة الصراع الكبير الدائر حول مصير ومستقبل ومصالح وخرائط دولها المعرّضة للتغيير والتبديل والتقسيم، ولا مستغرباً مواقف مسؤوليها حيال أوضاع لبنان لأنها تعتبره جزءاً مهماً وأساسياً في قلب هذا الصراع سواء اعترف مسؤولوه وسياسيوه بهذا الواقع أم أنكروه، وتغافلوا عن مخاطره على كيان لبنان التي عبّرت عنها مواقف الدول الغربية التي تتدخّل في كل كبيرة وصغيرة، من تعيين موظف أو مدير عام أو ضابط، الى فرض أوراق عمل سياسية وأمنية على لبنان. عدا تجاهل مخاطر مشاريع الاحتلال الإسرائيلي التي يعبّر عنها يوميا قادة كيان الاحتلال ولا يتوقف عندها خصوم إيران وحزب الله بل يعتبرها البعض «طبيعية»!
ليس دفاعاً عن إيران، وهي ترتكب أخطاء حيال لبنان كغيرها من دول تتدخّل في شؤونه وهناك ملاحظات كثيرة على أدائها، لكنه استعراض للوضع الإقليمي القائم ولحركة الصراع الكبرى فيه. لذلك ليس مستغرباً رفض بعض مسؤوليها مشروع نزع سلاح المقاومة مقابل مواقف مسؤولي دول أخرى تؤيد نزع السلاح، بل المستغرب كيف يمرّ مثلاً مرور الكرام كأنه لم يكن، كلام رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو قبل يومين عن تبنّيه «الديني والسياسي والتاريخي لمشروع إقامة إسرائيل الكبرى من الفرات الى النيل» وإقراره بأنه يسعى لتنفيذ هذا المشروع، الذي تشمل خريطته كامل مساحة لبنان تقريباً لا أجزاء منه، ومعظم دول المنطقة من بلاد الشام (سوريا والأردن وفلسطين مع لبنان) الى العراق وبعض دول الخليج العربي. ولا ننسى شموله إيران واليمن بالتهديد والوعيد، وقوله انه «يحارب على سبع جبهات» لتنفيذ مشروعه بإضعاف كل هذه الدول. ما يجعل إيران في قلب هذا الصراع ويدفعها لاستجماع عناصر القوة في المواجهة مع المشروع الإسرائيلي التوسّعي.
والسؤال: ألا يعتبر خصوم إيران ان هذا مشروع «إسرائيل الكبرى» يهدّد السيادة اللبنانية ووحدة الأرض والشعب، وحتى وإن لم يكن بالمقدور تنفيذه، ألا يعبّر كلام نتنياهو عن نوايا الكيان الإسرائيلي وأطماعه في خيرات لبنان من مياه وثروات في البر والبحر، كما يعبّر عن عدوانيته تجاه لبنان والقائمة قبل ولادة حزب الله ونشوء الجمهورية الإسلامية الإيرانية بسنوات طويلة، ومنذ مجزرة حولا في أربعينيات القرن الماضي وما تلاها من مجازر واعتداءات واجتياحات حتى الآن؟
لماذا استغراب ورفض مواقف إيران، لا استغراب ورفض مواقف الدول الأخرى التي تتدخّل في أوضاع لبنان وتتغلغل مخابراتها و«تقديماتها ومساعداتها الإنسانية» في أكثر من منطقة لبنانية ولأكثر من جهة؟ ولماذا هذا الموقف العدائي الشرس تجاه دولة لا اطماع لها لا في الأرض ولا في المياه ولا في إدارة الدولة، وهذا الرفض غير المبرر سوى بحجة العقوبات الأميركية لأي مشروع أو مساعدة عرضت إيران (وغيرها من دول مشرقية كروسيا والصين) تقديمها للبنان من سنوات في مجالات الكهرباء وتسليح الجيش والطرقات والبنى التحتية وسواها ورفضتها كل الحكومات؟ لماذا لم يصدر صوت اعتراضي على العقوبات الأميركية المفروضة على لبنان؟ ولماذا تبرير رفض أميركا استجرار الغاز والكهرباء من مصر والأردن؟ ولماذا عدم الاعتراض على منع تسليح الجيش اللبناني بالأسلحة الدفاعية اللازمة لردّ أي عدوان إسرائيلي، بل منع إطلاق طلقة رصاص واحدة تجاه دورية للاحتلال تنتهك سيادة لبنان وحرمة أراضيه كل يوم؟
الأمثلة كثيرة والأسئلة أكثر، والأجوبة معدومة، لكن في ظل وضع المنطقة الحالي، وكما هو مسموح لأميركا وفرنسا وبريطانيا وغيرها من دول غربية وعربية الإدلاء بإملاءات ومواقف سياسية وأمنية واقتصادية حول لبنان ترى انها تؤمّن مصالحها وسياساتها فيه وعبره في المنطقة، يجب ألّا يكون مستغرباً إدلاء مسؤولين إيرانيين بمواقف حيال لبنان وغيره من دول المنطقة كسوريا والعراق ترى انها تلائم مصلحتها. وكما لتلك الدول جمهور ومؤيدين، فلإيران جمهور كبير ومؤيدين. وإذا كان لا بد من اتخاذ مواقف رسمية وسياسية حادّة وأحيانا غير دبلوماسية وتفتقد اللباقة ضد تدخّلات إيران، فالأولى اتخاذ نفس المواقف وبذات الحدّية ضد إملاءات ومواقف الدول الأخرى التي تتدخّل بكل تفاصيل الحياة اللبنانية. والأهم اتخاذ موقف ضد كلام نتنياهو حول مشروع «إسرائيل الكبرى» وما يستبطنه من مخاطر على لبنان، تفترض على الأقل إثارة الموضوع أمام مجلس الأمن الدولي لتوثيق هذا التصريح الخطير ليس على لبنان بل على كامل المنطقة العربية.
لا شك أن الأزمة المفتعلة مع إيران ستمرّ من دون أي مشكلة سياسية كبيرة، ومن دون إجراءات كمثل الدعوات غير المسؤولة لطرد السفير الإيراني من لبنان، ولكن يبقى المهم كيف سيتعامل لبنان الرسمي مع التحريض السياسي الخطير ضد إيران وجمهورها اللبناني الذي بدأ يتخذ مناحٍ طائفية ومذهبية ومناطقية خارج سياق الصراع السياسي، او تسجيل الموقف وهو حق للجميع؟
غاصب المختار – اللواء

