الإعلامية جمانة كرم عياد
وطني أخاف منك عليك
وطني لماذا أنت مستباح؟
سماؤك مستباحة حتى العصافير لا تجرؤ أن تسبح فيها. تخاف من الطيور التي رغاماتها من حديد ومحشوة بالفوسفور الأبيض ومطليّة بتكنولوجيا القتل والحضارة، سماؤك يا وطني بحاجةٍ لإله يحجب القنابل والرعب عن الأطفال والأبرياء، ويسمح للعصافير أن تسبح في السماء بأمان. إلهي، ماذا يبقى للأرض حين تحتجب عنها السماء؟
وطني أخاف على أرضك التي تكاد تنكر انتمائي إليها لكثرة الوالغين في دمها، حين تنزف الأرض نكون نحن نزيفها، ومن بدئها كنا الدم والتراب، فكيف تكوننا إذا نزفتنا واغتالتها الأحذية الغريبة.
لا فرق بين جسدي وتراب بلادي، أنا من هذا التراب، وحين يُداسُ الترابُ ويُغزَى أكون مسلوب الهوية والوجود.
أرض لبنان هي اللبناني نفسه، فأيُّهما سُلِب يكون السلب شاملاً
تراب بلادي تحرثه الطائرات التي لا تجيد معرفة ماذا ينبت في هذا التراب. الشظايا لا تفهم أحزان شجر الزيتون الذي ما زال منتظراً عودة الأيدي التي كانت تقطفه.
ليس هناك تبغ في العالم ينعش الروح كتبغ الجنوب. ما أشدَّ علاقة التبغ الجنوبي بالشفاه وبالأيدي التي تجنيه. لم يزل التبغ الجنوبي ينتظر يداً يعرفها ليتحول إنعاشا لشاربيه.
وطني، أطفالك لا يعرفون معلميهم لأنهم بلا مدارس، حقائبهم فارغة لا كتب فيها ولا دفاتر ولا أقلام ولا “غدٌ مختبئ” كما يقول أحمد شوقي. يكبرون ولا يكبرون، سنواتهم فارغة إلا من الخوف والتشرد ونسيان كتاب الصف الأول الابتدائي. ما يعني الطفل بل مدرسة، يا وطني. غداً يبحثون عن هجرة بلا أدمغة وعن عمل أدنى. سيصبحون غرباء عن كل شيء إذا خرجتَ من أعمارهم وأرواحهم يا وطني. القرى صارت أطلالاً، ونحن بعشق عميق نقول لها: “ألا عِمْ صباحاً أيها الربع واسلمِ” و “قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزل” “وعِمي صباحاً دارَ عبلةَ وأسلمي”ولكن “هل يَعِمَنْ من كان في العُصُرِ الخالي”. أمّا المدن فلم يعد شارعٌ فيها يعرف الشارع الآخر، والأبنية بعضها يحنو على بعض، يحنو ما لم يُهدَمْ على المتهدم. حتى الحجارة تحزن وتبكي، وكم هو صعبٌ أن تبصر دموعَ حجر. الحجارة تبكي، إن تحتها أناساً لا يزالون أحياء، فأية جرّافةٍ تجرف عنهم الموت، وهناك أشلاء لم تزل روائح الموت فيها، وذكريات وممتلكات وصور أحبة وأطفال سقطت الجدران ولم تزل هي معلقة على الجدران المتهدمة ولم تزل تحدِّق بالحياة. ما أفجع أن يُحسَّ الحجر وتتجمد قلوب البشر.
كيف تستطيع حضارة التكنولوجيا أن تبرر سلوك الآلة التي أنتجتها، وهل يسمع القاصفًون صراخ الأطفال، كيف يستطيعون أن يجدوا شرعية بين صراخ طفل وصوت صاروخ يحمل في جوفه ألف جهنم؟ كيف تستطيع أخلاقية حضارة القرن الذي نعيش فيه تبرير قصف نساء يقطفن الزيتون الذي لم يجدن محصولاً غيره لأطفالهنّ الجائعين!
كيف تقبل عدالة الأرض والسماء أن ترى أباً يبحث عن رأس ابنه المقطوع ليلقه بجثته قبل الدفن وقبل الصلاة عليه.
كيف تسكت هذه العدالة التي يصدرونها لنا وهي ترى أمّاً ألقت طفلها ميتا في البحر لأنه مات بين يديها من الجوع وعدم توفر الحليب له؟
ماذا تفعل عدالة السماء مع ما يحدث على الأرض. نسيت أنني قد ذكرت أن السماء مستباحة من طائرات حضارة التكنولوجية والشركات التي لا حدود لها.
لقد حاولت بكل خفقان قلبي وساعات عمري أن أغلق ولو باباً واحداً من أبواب الشر، وأعترف الآن أني فشلت.
ورغم هذا كله سأبقى أحبك يا وطني حياً وقتيلاً وسوف تبقى فيّ حياً، وسأسامحك لأنك أصبحت مستباحا للقريب والغريب
وطني أخاف منك عليك
لن أختلف معك أبداً يا وطني مهما كنت قاسياً، ومهما كنت ظالماً، لا أستطيع أن أختلف معك، ولكني سأحكي معك بلغة الحب المجروح، الحب الذي يسمو على كلّ ما آذيتني وعلى أكثر من غربة حاولت أن تضع بيني وبينك حواجز مصنوعة من ظلمك لي ياوطني.فما أقتل الحب الذي الذي لا يبرح الإنسان والذي ينزف كالجرح الواسع، ولكن يعود بدم أشد قسوة وأشدّ إيلاماً.
وطني أحببتك لأنك لا تستطيع إلا أن تكونني ولا أستطيع إلّا أن أكونك, بي منك التراب والبصر والبصيرة والكينونة التي نسميها جسداً، وبي منك الروح التي ترفض الحلول بغيرك حتى وهي على مشارف أبعد المنافي.
أحببتك جغرافية، ولكنك تكاد أن تكون جغرافيات، أحببتك وطناً وكينونة، ولكنك تحاول أن تكون أوطاناً،
ستبقى لي يا وطني، ولكنني سأبقى أخاف منك عليك
