ابتعدوا عن الخرافات.. لقاحات كورونا آمنة

وليد حسين – المدن

ما كادت الشركات تعلن عن فعالية لقاحاتها المضادة لوباء كورونا وأمانها، حتى راحت الحركات المناهضة للقاحات تنشر مخاوفها، مغلفة آراءها بشواهد علمية، جعلت عدداً كبيراً من مواطني الدول الغربية وحول العالم ترفض اللقاح.

إلى جانب هذه المخاوف، راح بعض المشككين ينشر تفاهات وخرافات حول اللقاح: “زودته الشركات العالمية بشريحة إلكترونية غير مرئية للسيطرة على البشر”. وبمعزل عن حركات مناهضة اللقاحات المتجذرة والخرافات التي حاكها البعض حول لقاح كورونا، ثمة مخاوف شعبية مبررة، خصوصاً أن اكتشاف اللقاح وتجريبه على البشر حصل بسرعة فائقة.

تيار عالمي قوي

يعتبر رئيس مركز أبحاث الأمراض الجرثومية في الجامعة الأميركية في بيروت، وعضو اللجنة التقنية للقاحات في منظمة الصحة العالمية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، غسان دبيبو، أن تأثير الحركات المناهضة للقاحات كبير جداً في العالم. حتى أن منظمة الصحة العالمية تضع هذه الحركات ضمن أولوياتها العشرة عالمياً. لأن تأثيرها على المواطنين قوي جداً، وجعلت عدداً كبيراً من السكان، خصوصاً في الدول الغربية، تفقد الثقة في أي لقاح.

وأضاف في حديث لـ”المدن” أن هذه الحركات تمكنت من نسبة أعراض ومشاكل ومخاطر كثيرة للقاحات، لا تنجم عنها أصلاً وفصلاً. فلديهم قدرة قوية في التلاعب بالرأي العام، خصوصاً أنهم يستقطبون أطباء وخبراء. ويستخدمون لغة تبدو للعامة علمية. وبمجرد طرح أي لقاح تتحرك هذه المجموعات. وهي تمتلك أساليب في تقديم المعلومات بطرق مقنعة للعامة مع شرح بصري وسمعي ودراسات.

الحصبة والمحامون

فعلى سبيل المثال نشر أحد الأطباء البريطانيين دراسة علمية في مجلة لانست الشهيرة حول تسبب لقاح الحصبة بمرض توحد الأطفال، في مطلع التسعينات. وأخذ هذا الموضوع ضجة عالمية جعلت العلماء يجرون دراسات متعددة على مئات آلاف الأطفال، لتبين بعد سنوات عدة أن الأمر غير صحيح، وأنه كان مدفوعاً من مجموعة من المحامين المتخصصين بالدعاوى ضد شركات تصنيع الدواء. وجرد الطبيب البريطاني من رخصة ممارسة الطب في بلده. فهاجر إلى أميركا، وها هو اليوم ينشط ضمن مجموعات مناهضة للقاحات هناك.

وأوضح دبيبو أن تلك الدراسات الكاذبة أدت إلى انخفاض نسبة تلقيح الأطفال ضد الحصبة بنحو 30 في المئة في العديد من الدول الغربية. حتى أن أميركا أعلنت سنة 2000 الانتهاء من حالات الحصبة المحلية، لكنها عادت لتعاني من هذه الأمراض، بسبب رفض الأهل لهذا اللقاح.

الخوف من اللقاح أو الدواء أمر مبرر، حسب دبيبو. لكن المسألة يجب توضع في ميزان السلبيات والإيجابيات. وهو يؤكد أن من إيجابيات اللقاحات أنها أنقذت مئات الملايين من البشر من أمراض وأوبئة كانت تفتك بهم في القرن المنصرم. ووصلنا اليوم بعد استعمال لقاحات الشلل والشاهوق والخانوق والسحايا وذات الرئة وغيرها، إلى مرحلة باتت فيها تلك الأمراض نادرة، وقللت من نسب الوفيات في كل العالم. بالتالي إذا كان هناك من أعراض جانبية نادرة لأي لقاح، يجب أن تقارن بالاستفادة المتأتية منه. وعلينا التذكر أنه حتى أي دواء نتناوله له أعراض جنبية على بعض الأشخاص.

مؤامرة لقاح كورونا

يوجد حالياً نحو 220 لقاحاً تحت التجارب لفيروس كورونا في مختلف دول العالم. وهذا يعني أن هناك اهتماماً للتخلص من هذا الوباء. فهل يعقل أن تكون كل هذه الدول متفقة كلها على مؤامرة واحدة؟ صحيح أن العلم تقدم، لكن ليس لدرجة صناعة شريحة الكترونية غير مرئية لحقنها بالعضل لتصل إلى الدماغ وتسيطر على الإنسان، في وقت ما زال البشر عاجزون عن إعادة الحركة ليد أو رجل مشلولة؟! هذه كلها خرافات.

وفي المقابل يؤكد دبيبو أن هناك مخاوف يجب تفهمها وتتعلق بسرعة اعتماد لقاح كورونا. ففي السابق أسرع لقاح اعتمد كان ضد “أبو كعب”. وأخذ نحو خمس سنوات من الدراسات قبل اعتماده. بينما لقاحات أخرى استغرقت نحو عشر سنوات من الدراسات والتجارب قبل اعتمادها. لكن في السابق كان إيجاد المتطوعين لتجريب اللقاح يأخذ سنوات. بينما في الدراسات التي أجريت على لقاحات كورونا تطوع عشرات الآلوف في مدة قصيرة جداً. ومرد الأمر إلى الخوف والهلع من وباء كورونا وحاجة البشر لإيجاد لقاح له. لذا أجريت الدراسات في وقت وجيز. وهذا انجاز مهم للغاية، وليس شائبة تؤخذ عليه.

اللقاح الآمن

المهم بالنسبة لدبيبو التحقق من أمان اللقاح وفعاليته وعدم التسبب بأعراض جانبية خطرة. بخصوص فعالية اللقاح طلبت منظمة الصحة العالمية نسبة فعالية ليس أقل من سبعين في المئة كي تعتمده لوباء كورونا. لكن الدراسات أثبتت فعالية مبهرة وصلت إلى 95 في المئة.

وبخصوص أمان اللقاح، بات واضحاً أنه لم يتسبب بأعراض جانبية في المدى القصير، أي بعد أسبوع أو أكثر على تلقيه. فأغلب الأعراض الجانبية تظهر في الفترة الأولى. وهناك أعراض نادرة وتحصل ببطء تحتاج لنحو ستة أشهر لاكتشافها. ولم تسجل أعراض بعد. لذا فأن فائدة اللقاح أعلى من أي عارض جانبي قد يطرأ. فوباء كورونا يهدد نحو 3 في المئة من المصابين به بالدخول إلى العناية الفائقة، ويودي بنحو واحد في المئة من المصابين.

وحتى الساعة هناك أكثر من 3 ملايين شخص تلقوا اللقاح ولم تحصل أي مشاكل تذكر. وبعض الأعراض التي يحكى عنها ليس سببها اللقاح. حكي عن وفيات وحالات شلل نصفي في الوجه. لكن لا تأكيد بوجود أي علاقة مع اللقاح. أما أعراض ألم الرأس والغثيان أو الطفح الجلدي فهي أمور عادية، وأي لقاح آخر يتسبب بها.

وعاد دبيبو وأكد أن المقارنة تكون بين الفائدة من اللقاح قياساً بأضراره، والأضرار التي يسببها الوباء. وإلى الآن لا شيء يذكر حول أضرار اللقاح.

البعض يتخوف من أن لقاح كورونا حديث وغير مجرب، لكن وفق دبيبو لقاحات مرسال الرنا (mRNA) رغم أنها جديدة، إلا أن الدراسات حولها تعود لنحو عشرين عاماً. وقد اختبرت فيروسات من أخوات كورونا مثل السارس ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية. لكن تلك الفيروسات لم تسبب قلقاً عالمياً ولم يحصل طلب عالمي على لقاح لها. فسارت الدراسات ببطء لأنها لم تحصل على الدعم المالي. بينما مع وباء كورونا اختلف الوضع. بمجرد نشر خريطته الجينية بدأت مختبرات شركة فايزر بوضع اللقاح له. وباشرت بالدراسات على البشر في شهر نيسان. أي بعد نحو ثلاثة أشهر على انفجار الوباء عالمياً.

وشرح دبيبو أن تقنية مرسال الرنا آمنة جداً. فهي حساسة جداً على العوامل الطبيعية. ويتم حمايتها من خلال تغليفها بأنواع من الدهون. وتدخل مباشرة إلى معمل البروتينات في الخلية وتصنّع بروتين الفيروس. وعندما يكتشف جهاز المناعة أن هذا البروتين غريب عن الجسم يشكل مناعة ضده. وبعدها تنحل بسرعة ويتخلص الجسم منها، ولا يبقى منها إلا الذاكرة المناعية التي شكلها جسم الإنسان لتحميه من الإصابة بفيروس كورونا.

تعديل مستمر

بالمطلق ينصح دبيبو بعدم التردد في أخذ هذا اللقاح، الذي أثبت عن فعالية وأمان كبيرين. فأي لقاح لأي مرض يعدل بعد اعتماده عندما تكتشف أي أعراض جانبية نادرة بعد تلقيه من مجموعات كبيرة من البشر. فأمان اللقاح عمل مستمر لدى الخبراء، ويعاد تعديل أي لقاح بشكل دائم لمنع حصول أي أعراض نادرة بعد تلقيه. وهذا سيحصل مع لقاحات كورونا. فالدراسات التي ظهرت ليست نهائية بل ستتبعها دراسات أخرى كما جرت العادة. وهناك لقاحات كثيرة خرجت إلى الأسواق بعدما تبين وجود أعراض نادرة، فسحبت من الأسواق وأعيد تعديلها. فمثلاً لقاح فيروس الروتا الأول تبين أنه أدى إلى مشاكل في أمعاء الأطفال، بنسبة واحد على ستين ألفاً. وسحب من الأسواق وأجريت عليه دراسات بعينات كبيرة وتم تعديله. ولم يعد هذا العارض الجانبي النادر أصلاً موجوداً.

Leave A Reply