الأربعاء, يوليو 24

ما بعد ماكرون ـ الراعي

طارق ترشيشي – الجمهورية

خلافاً لكل ما يُقال ويُشاع، لم يخرج إطار الحل الجاري تحضيره لإنجاز الاستحقاق اللبناني بشقيه الرئاسي والحكومي عن معادلة «سليمان فرنجية رئيساً للجمهورية ونواف سلام رئيساً للحكومة»، التي نُسب إلى الفرنسيين انّهم هم من اقترحوها منذ بدايات البحث الجدّي بين العواصم المهتمة بالشأن اللبناني.

يقول المطلعون على فحوى الاتصالات الجارية داخلياً وبين تلك العواصم، إنّ الثابت في هذه المعادلة هو إسم فرنجية، وإنّ المتحرك هو اسم سلام (حيث يردّد البعض اسم الرئيس تمام سلام)، وإنّ المحاولات التي قامت المعارضة ولا تزال تقوم بها تهدف إلى جعل الشق الاول من المعادلة متحرّكاً مثل الشق الثاني، ولكن هذه المحاولات تصطدم بصعوبات، خصوصاً بعد الاتفاق السعودي ـ الايراني، وازدادت هذه الصعوبات بعد الاتفاق السعودي ـ السوري الذي يفرض اعتماد مقاربة جديدة للوضع اللبناني، ما أعطى دفعاً إضافياً لترشيح فرنجية وجعله اكثر فأكثر واجب الوجود، تبعاً لمتطلبات هذين الاتفاقين اللذين تتلاحق تداعياتهما على ساحة المنطقة، وزاد من وتيرتها نتائج القمة العربية الإخيرة برئاسة المملكة العربية السعودية.

ويعتقد هؤلاء المطلعون، إنّ المحادثات التي جرت بين الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون والبطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، لم تنتهِ كما ظنّ البعض، إلى تغيّر في الخيارات الفرنسية المنسقة مع بقية مجموعة الدول الخمس عموماً ومع المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية خصوصاً، وإلاّ لو كان الأمر عكس ذلك لكان شاع إثر مغادرة الراعي باريس، ولما كان هناك من داعٍ لاعتماد التكتم على ما دار بينه وبين الرئيس الفرنسي، في الوقت الذي شدّد البيان الذي أذاعته الرئاسة الفرنسية في اليوم التالي للقاء، على اتفاقهما على ضرورة الإسراع في انتخاب رئيس جمهورية جديد «بلا تأخير»، من دون كشف اي تفاصيل.

وتكشف المصادر، انّ ماكرون كان واضحاً وشفافاً في شرحه لـ«الأسباب الواقعية» التي تقوم عليها معادلة فرنجية ـ سلام، والتي تأخذ في الاعتبار المتغيّرات الجارية منذ ما قبل الاتفاق السعودي ـ الايراني برعاية الصين، إلى درجة انّ ماكرون غاص في الحديث عن دور المسيحيين في لبنان والشرق، والخيارات التي عليهم اعتمادها في ضوء المتغيّرات الجارية، بغية تطوير هذا الدور وتعزيزه، بما يحصّن وجودهم ويجعلهم شركاء فاعلين في المنطقة.

وفيما يجزم المطلعون انّ لقاء الاليزيه لم يتناول بالبحث لائحة اسمية لمرشحين رئاسيين، يُقال انّ ماكرون لم يخف عن الراعي مضمون الاتصالات التي جرت ولا تزال جارية بين فرنسا وبقية الدول المعنية، وكذلك بينها وبين الأفرقاء اللبنانيين، ولاسيما منهم «الثنائي الشيعي» عموماً ومع «حزب الله» خصوصاً، ملمّحاً إلى انّ مضمون هذه الاتصالات ايجابي وبنّاء، ويعكس ذلك انّ «الحزب» أبدى مرونة لافتة عندما طرح الفرنسيون امامه اسم السفير نواف سلام، مثلما أبدت القيادة السعودية للفرنسيين مرونة لافتة ايضاً عندما فاتحوهم باسم فرنجية، قبل ان تعلن المملكة لاحقاً على لسان سفيرها في لبنان وليد البخاري أن لا «فيتو» لديها عليه أو على اي مرشح رئاسي آخر، داعية إلى الإسراع في إنجاز الاستحقاق الرئاسي توافقياً او بالتنافس بين مرشحين، لتتماهى بهذا الموقف مع الفرنسيين والاميركيين وجميع المهتمين بالوضع اللبناني واستحقاقاته الداهمة رئاسياً وحكومياً واصلاحياً. وفي هذا السياق، قيل انّ موضوع تأمين نصاب جلسة الانتخاب دخل في صلب الاتصالات بين العواصم المعنية، والبعض قال انّ الفرنسيين تمنّوا على الرياض المساعدة في هذا الامر. ويدل إلى ذلك، التلويح بفرض عقوبات على من يعطّل إنجاز الانتخاب الرئاسي، وكان من ذلك ما أعلنته امس مساعدة وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى باربارا ليف، من أنّ الإدارة الاميركية «تنظر في إمكانية فرض عقوبات على المسؤولين اللبنانيين على خلفية عدم انتخاب رئيس»، قائلة: «نعمل مع حلفاء إقليميين وأوروبيين لدفع البرلمان اللبناني للقيام بعمله». علماً انّه سبق للرياض أن لمحّت على لسان بخاري إلى هذه العقوبات قبيل انعقاد القمة العربية في جدة الشهر المنصرم.

وفي اعتقاد البعض، انّ البحث الجاري بين «التيار الوطني الحر» وبين المعارضة بكل تلاوينها للاتفاق على مرشح ينافس فرنجية والذي يُروّج حتى الآن انّه سيكون الوزير السابق جهاد ازعور، سيتغيّر في مضمونه في ضوء ما عاد به البطريرك الراعي من زيارتيه للفاتيكان وباريس، وخصوصاً بعد ان يطّلع الجميع على مضمونهما ونتائجهما، ومن المنتظر ان يتظهر هذا الامر بدءاً من اليوم الذي هو بداية مهلة الاسبوعين التي حدّدها رئيس مجلس النواب نبيه بري لانتخاب رئيس جمهورية، او على الاقل اراد منها تحفيز الكتل النيابية والسياسية على الإسراع في هذا الانتخاب ليتمّ التفرّغ لتأليف الحكومة وإطلاق ورشة الإنقاذ.

وفي رأي البعض، انّ ما يغيب عن بال المعارضين لترشيح فرنجية، او يغيبونه، هو حقيقة انّ الحل الذي ترعاه العواصم المهتمة يُراد منه حلاً متوازناً لن يكون فيه غالب ومغلوب، وسيكون على أساس معادلة «رابح ـ رابح»، لينتج منه سلطة جديدة متوازنة، من رئاسة الجمهورية إلى رئيس الحكومة والحكومة (اي السلطة التنفيذية) لأنّه من دون هذا التوازن لا يتحقق حل، فزمن سلطات اللون الواحد ما عاد مفيداً لبلد يحتاج إلى اشتراك الجميع في ورشة إنقاذه، بحيث لا يُستبعد احد منها، إلّا من شاء إبعاد نفسه ويكون ذلك شأنه.

Leave A Reply