بمناسبة الذكرى السنوية لشهداء حركة امل في “ديرقانون راس العين”
ها نحن على أعتاب ذلك اليوم الذي لم يغادر ذاكرتنا، يوم رحل حسين ومحمد وعمران ومن كانوا معهم، وتركوا في قلوبنا وجعاً لم تستطع الايام أن تخفّف من قسوته، وحنيناً يزداد كلما ابتعدنا عن لحظة الوداع.
ماذا نقول لك يا حاج علي، ونحن الذين ما زلنا نحمل أسماءهم في قلوبنا، ونستعيد وجوههم كلما مرّت الذكرى؟ فكيف بك أنت، وقد اجتمع في قلبك وجعان، وجع الأب الذي فقد فلذة كبده حسين، ووجع الأخ الذي ودّع شقيقه محمد، رفيق العمر والدرب والذكريات؟
يا أبا حسين…
أيّ قلبٍ يتّسع لكل هذا الغياب؟
وأيّ صبرٍ يستطيع أن يحمل حزن أبٍ على ابنه، وحنين أخٍ إلى أخيه، وقد جمعهما الرحيل في يوم واحد،
وتركك تواجه عمراً من الذكريات التي لا تنتهي؟
حسين، قطعة من روحك، وامتداد عمرك، ووجهٌ كنت ترى فيه شيئاً من نفسك وأحلامك.
ومحمد، أخيك الذي شاركك البدايات، وعرف معك تفاصيل الأيام الأولى، وحمل معك ذاكرة البيت والأهل والعمر والعمل الحركي
رحلا معاً، وبقيت أنت تحمل وجع الغياب، تستعيد في حسين صورة الابن الذي لا يعوّض،
وفي محمد صورة الأخ الذي لا يتكرّر.
حاج علي…
نعرف أن صبرك كبير، لكننا نعرف أيضاً أن الصبر لا يُلغي الحنين،
وأن الثبات لا يعني أن القلب لم ينكسر. فكم من لحظة صمتٍ تختبئ خلفها دمعة، وكم من ذكرى عابرة تعيد إلى القلب وجعاً ظننّا أن الأيام قد هدّأته.
نحن نفتقد حسين ومحمد وعمران وإخوتهم الشهداء، ونشتاق إلى وجوههم وأصواتهم، وإلى أيامٍ كانوا فيها بيننا. لكننا حين ننظر إليك نشعر أن حزننا، مهما بلغ عمقه، يقف عاجزاً أمام ما تحمله من ألم.
فأنت لا تستعيد في الذكرى أسماء غائبين فحسب، بل تستعيد ابناً كان جزءاً من روحك، وأخاً كان جزءاً من تاريخك. تستعيد حكايات وحنين، ووجوهاً كان لها في حياتك حضور لا يشبهه حضور.
يا حاج علي…
كم هي قاسية تلك اللحظة التي يشتدّ فيها الشوق، فيتمنّى الإنسان لو يعود الزمن قليلاً، ليسمع صوتاً افتقده، أو يعانق وجهاً غاب، أو يجلس مع أحبّته كما كان يفعل قبل أن يصبح اللقاء ذكرى.
وها نحن نقترب من الذكرى، وما زالت قلوبنا يعتصرها الألم، وما زلنا نقف عند حافة ذلك الوجع المعتّق بالحزن العميق. لم نتعلّم كيف نعتاد غيابهم، ولا كيف نمرّ على أسمائهم من دون أن ترتجف فينا الذاكرة.
سلامٌ على حسين، وسلامٌ على عمّه محمد، وعلى عمران وكل من مضى معهم في ذلك اليوم.
سلامٌ على وجوهٍ غابت عن عيوننا وبقيت تسكن أعماقنا،
وعلى ذكرياتٍ لا يطويها الزمن مهما طال.
وسلامٌ على قلبك يا حاج علي،
على صبر الأب وحنين الأخ،
على كل دمعة حبستها، وكل غصّة أخفيتها، وكل لحظة اشتياق لم تجد لها كلاماً.
يا أبا حسين… تعود الذكرى، ولا يعود حسين ولا محمد. ويكبر العمر، لكنّ الحنين إليهما لا يكبر معه إلا وجعاً.
ولعلّ أجمل ما في الغياب أن يبقى الأحبّة في ذاكرتنا كما عرفناهم، بوجوههم وأصواتهم وضحكاتهم، بينما نمضي نحن في العمر، حاملين صورهم في قلوبنا، نشتاق إليهم كلما ضاقت بنا الأيام.
رحم الله حسين ومحمد وعمران وإخوتهم الشهداء، وأعان قلبك يا حاج علي… فما أصعب أن تفقد من ابنك امتداد روحك، ومن أخيك قطعةً من عمرك، وأن تبقى بين الحنين ووجع الغياب.
وتبقى الغصّة في القلب … أن الذكرى تعود كل عام، أمّا الذين نشتاق إليهم فلا يعودون…
في:8/11/2026
صدر داوود
