هرمز في مواجهة تل أبيب: هل تنهي واشنطن الحرب أم تعيد هندسة النظام الإقليمي على حساب حلفائها؟

كتب د. محمد عاصي-

لم تعد المواجهة الأميركية الإيرانية مجرد صراع على البرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لطبيعة النظام الدولي وحدود القوة في إعادة رسم قواعده. فبينما تتمسك طهران بسبعة شروط للتوصل إلى تسوية وإعادة فتح مضيق هرمز، تتحرك قطر لنقل وجهات النظر بين واشنطن وطهران، وسط تصريحات أميركية عن السيطرة على المضيق وانخفاض أسعار النفط. غير أن السؤال المركزي لم يعد يتعلق فقط بإمكانية وقف الحرب، بل بطبيعة التسوية التي يجري التفاوض عليها: هل نحن أمام اتفاق ينهي المواجهة، أم أمام إعادة توزيع للأدوار والنفوذ في الشرق الأوسط؟

يكمن جوهر الإشكالية في التناقض بين منطق أميركي يسعى إلى تحويل نتائج القوة العسكرية إلى مكاسب سياسية واستراتيجية، ومنطق إيراني يرفض أن تتحول الضغوط العسكرية والاقتصادية إلى استسلام سياسي، ويربط أي اتفاق بالضمانات ورفع الحصار ووقف الحرب على جميع الجبهات، بما فيها لبنان. وهنا تتحول الوساطة القطرية إلى قناة لاختبار حدود التنازلات الممكنة، فيما يصبح مضيق هرمز أكثر من مجرد ممر بحري؛ إنه ورقة ضغط تتقاطع عندها اعتبارات الأمن والطاقة والتجارة الدولية.

لكن التطور الأكثر إثارة في هذا المشهد جاء من واشنطن نفسها، مع إعلان الرئيس دونالد ترامب وقف المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل بحلول نهاية العام، والتي تحدث عن بلوغها نحو أربعة مليارات دولار سنوياً. وقد نقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن وزارة المالية الإسرائيلية فوجئت بالإعلان، فيما لم يكن الجيش على علم به. وتكتسب المسألة أهمية إضافية لأن اتفاق المساعدات القائم، الذي يوفر نحو 3.8 مليارات دولار سنوياً، يمتد حتى عام 2028، ما يطرح تساؤلات حول آلية تنفيذ الإعلان ومدى تحوله إلى قرار رسمي.

والأكثر دلالة أن هذا التطور انتقل سريعاً إلى الداخل الإسرائيلي، حيث اعتبر رئيس الأركان السابق والمعارض غادي آيزنكوت أن تقليص المساعدة الأمنية الأميركية يشكل دليلاً إضافياً على ضرورة استبدال بنيامين نتنياهو. ولا يمكن فصل هذا الموقف عن الانقسام السياسي الإسرائيلي المتصاعد، حيث لم تعد المسألة مجرد خلاف حول المساعدات، بل أصبحت مرتبطة بمستقبل القيادة السياسية الإسرائيلية وقدرتها على الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة. وهكذا تتحول العلاقة مع واشنطن، وكلفة الحرب، ومستقبل الحكومة، إلى عناصر متداخلة في معركة تحديد شكل المرحلة السياسية المقبلة في إسرائيل.

وهنا تبرز مفارقة استراتيجية: واشنطن تفاوض إيران على مستقبل التوازن الإقليمي، وفي الوقت نفسه تلوّح بإعادة صياغة التزاماتها العسكرية تجاه حليفها الإسرائيلي. فهل نحن أمام مراجعة أميركية فعلية لأولوياتها في المنطقة، أم أمام استخدام ورقة المساعدات لإعادة ضبط السلوك الإسرائيلي وتخفيف كلفة الالتزامات الأميركية؟ وفي الحالتين، فإن العلاقة بين الطرفين تدخل مرحلة تستحق مراقبة دقيقة، خصوصاً أن وقف التمويل المباشر لا يعني بالضرورة إنهاء التعاون العسكري أو تجارة السلاح.

أمام هذا المشهد، تبرز ثلاثة سيناريوهات. الأول، اتفاق مرحلي يربط إعادة فتح مضيق هرمز بتخفيف الحصار والعقوبات وتقديم ضمانات متبادلة، مع تأجيل الملفات النووية والأمنية الأكثر تعقيداً. والثاني، تعثر الوساطة والعودة إلى التصعيد العسكري، خصوصاً أن استمرار الضربات والتهديدات المتبادلة يؤكد أن المسار الدبلوماسي لم يصل إلى نقطة تفاهم نهائية. أما الثالث، فهو اتفاق أميركي إيراني محدود يعالج الملاحة والمصالح المباشرة للطرفين، ويترك الجبهات الإقليمية معلّقة.

وفي تقديري، يبقى التفاهم المرحلي احتمالاً جديراً بالمتابعة، لكنه لن يكون بالضرورة نهاية استراتيجية للصراع، بل تسوية تفرضها كلفة استمرار الحرب. فواشنطن لا تبدو مستعدة لتبني كامل الشروط الإيرانية، وطهران لا تريد التنازل عن أوراقها الاستراتيجية دون ضمانات. ومن ثم قد نشهد اتفاقاً جزئياً قابلاً للاهتزاز عند أول اختبار ميداني.

أما لبنان، فيقف أمام أحد أكثر الاحتمالات حساسية. فاشتراط طهران وقف الحرب على جميع الجبهات يربط مصير الجبهة اللبنانية بمسار التفاوض، لكنه لا يضمن تلقائياً حصول لبنان على تسوية تحفظ سيادته. وقد يكون الاتفاق فرصة لوقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار، أو قد يتحول إلى تفاهم يوقف المواجهة الكبرى ويترك لبنان أمام ترتيبات أمنية مفروضة من الخارج. لذلك فإن أي تسوية لا تتضمن احترام السيادة اللبنانية وتنفيذ القرار 1701 وحماية المدنيين وتهيئة الظروف لعودة النازحين ستبقى تسوية ناقصة، مهما حققت من مكاسب إقليمية.

لكن المسألة الأعمق تتجاوز الحرب ونتائجها لتصل إلى مستقبل القانون الدولي. فمنذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، قام النظام الدولي نظرياً على حظر استخدام القوة وتسوية النزاعات سلمياً واحترام سيادة الدول. غير أن مجلس الأمن، الذي أُوكلت إليه المسؤولية الرئيسية عن حفظ السلم والأمن الدوليين، أصبح في أزمات عديدة عاجزاً عن ممارسة دوره بفعل تضارب مصالح الدول الكبرى وحق النقض. وهكذا تتسع الفجوة بين وجود القاعدة القانونية والقدرة على فرض احترامها.

إن الخطر لا يكمن في شلل المؤسسات الدولية وحده، بل في تحول هذا الشلل إلى واقع مقبول، تصبح فيه موازين القوة بديلاً عن المرجعية القانونية. فالعالم قد ينتقل من أحادية القوة إلى تعددية مراكز النفوذ، لكن ذلك لا يعني بالضرورة نشوء نظام دولي أكثر عدالة؛ فقد تصبح التسويات رهينة تفاهمات القوى الكبرى، فيما تتحول الدول الأضعف إلى ساحات لتطبيق نتائجها.

إن السؤال الذي تطرحه لحظة هرمز اليوم ليس من سيربح الحرب، ولا من سيخرج بصورة المنتصر من المفاوضات، بل من سيمتلك حق وضع قواعد العالم المقبل؟ وهل نحن أمام نهاية حرب إقليمية، أم أمام ولادة نظام دولي تصبح فيه القوة مصدراً للقانون، وتتحول الأمم المتحدة من مرجعية لحفظ السلم إلى شاهد على عجزه؟

Leave A Reply