من كربلاء إلى الضاحية: حين تتحوّل الدمعة إلى سيادة ويُهزم الاحتلال بالثبات

الإعلامية جمانة كرم عياد

من كربلاء إلى الضاحية: حين تتحوّل الدمعة إلى سيادة ويُهزم الاحتلال بالثبات

عاشوراء ليست طقسًا… بل إعلان مواجهة مفتوحة

لم تكن الضاحية الجنوبية لبيروت هذا العام مجرّد مساحة عزاء، بل ساحة اشتباك رمزي مع مشروع الهيمنة، ومنصة سيادية تَقدّم فيها الشعب المقاوم خطوة إلى الأمام، ليقول للعالم إنّ الذاكرة حين تُستعاد بوعي، تتحوّل إلى سلاح.

في الموكب العاشورائي الحاشد، لم تتحرّك الجموع بدافع العادة، بل بدافع الانتماء إلى معركة مستمرّة، عنوانها: لا تنازل، لا انكسار، ولا اعتراف بشرعية الغاصب.

ومن قلب هذا المشهد، ارتفع صوت الشيخ نعيم قاسم ليضع حدًّا للالتباس: لا خيار للعدو إلا الانسحاب الكامل، مهزومًا ومذلولًا، من كل شبر من أرضنا.

عاشوراء 2026: فلسفة الرفض في زمن التسويات المفروضة

تأتي عاشوراء هذا العام في لحظة سياسية ملتبسة، حيث تُطبخ التسويات في الغرف المغلقة، وتُسوّق الأوهام على موائد المفاوضات. لكن المقاومة اختارت أن تقول كلمتها من حيث لا يُتوقّع: من العاشر، من الدم، من كربلاء.

هنا، لم يكن الإمام الإمام الحسين ذكرى، بل معيارًا.

لم يكن رمزًا تاريخيًا، بل بوصلة قرار. وكما رفض الحسين بيعة الذل، جاء الخطاب ليؤكد أن ميزان الميدان هو الذي يرسم السياسة، لا العكس، وأن من لا يملك قوة الرفض، يُفرض عليه شكل القبول.

جنوب لبنان: حين يصبح الجغرافيا نبضًا كربلائيًا

في جنوب لبنان، لا تُقاس الأرض: بحدودها، بل بقدرتها على الصمود. هناك، حيث تتداخل التلال مع الذاكرة، يتحوّل التراب إلى موقف، والقرى إلى خطوط مواجهة مفتوحة على التاريخ.

لم يكن الجنوب يومًا هامشًا في المعركة، بل قلبها النابض، وامتدادًا طبيعيًا لكربلاء في زمن الحضور لا الغياب.

ففيه تُختبر الإرادة، وتُصاغ معادلات الردع، وتُكتب السيادة بلغة الدم والثبات لا بلغة البيانات.

إنّه الجنوب الذي لم ينحنِ، والذي أعاد تعريف العلاقة مع العدو على قاعدة واحدة: الأرض التي لا تُحتلّ معنويًا لا يمكن كسرها عسكريًا.

ومنه، كما من الضاحية، تتشكل معادلة واحدة: أن الذاكرة حين تتحوّل إلى مقاومة، يصبح الجغرافيا جزءًا من العقيدة لا مجرد مساحة على الخريطة.

العاشر مؤنّثًا: زينب تمشي في الضاحية

لم يكن مشهد العاشر في الضاحية مذكّرًا وحده، بل كان مؤنّثًا بامتياز، كأنّ التاريخ قرّر أن يُعيد كتابة نفسه بصوت النساء.

ففي قلب المواكب، تقدّمت النساء الصفوف لا من الهامش بل من المركز؛ حاملات رايات العزاء، مرتلات النعي، موزّعات الماء والتمر، وحاملات ما هو أثقل من الرموز: الرسالة.

هنا، في يوم العاشر، عادت السيدة زينب لا بوصفها ذكرى، بل بوصفها فعلًا حاضرًا، وخطابًا حيًّا يمشي على أقدام الأمهات والبنات.

لم تكن المرأة في الضاحية شاهدة على الصمود، بل صانعة له، تزرعه وعيًا في عيون أطفالها، وتلقّنه درسًا مبكرًا: أن الثبات على المبدأ ليس حكرًا على الرجال، وأن السيادة تُبنى بالحضور كما تُحمى بالسلاح.

وفي مشهد بالغ الدلالة، تقدّمت أمهات الشهداء الصفوف، ووقفن في مقدّمة العزاء لا كمن فقد، بل كمن انتصر. كأنهن يقلن للعالم، في يوم الحسين: نحن وارثات زينب، ودماؤنا ما زالت تسقي شجرة المقاومة.

بهذا الحضور، تحوّلت الضاحية إلى مدرسة زينبية مفتوحة، تُعاد فيها تربية الوعي الجمعي، وتُحوَّل الدمعة في عيون النساء إلى وقود للأجيال القادمة.

فالعاشر، في روايتهن، ليس حدثًا انقضى، بل وصيّة مستمرّة، لا تُختتم بانتهاء المجالس، ولا تُطوى مع آخر نداء عزاء.

الضاحية: كربلاء المعاصرة ومرآة الصمود

لم يكن الخطاب توصيفًا للواقع، بل هندسةً له.

خارطة طريق بثلاث ركائز لا تقبل التأويل:

أولًا – الانتصار المعنوي كقاعدة للسيادة:

حين وُصفت التفاهمات الدولية، بما فيها بين إيران والولايات المتحدة، كدليل على فشل مشروع الإخضاع، لم يكن ذلك احتفالًا، بل تثبيتًا لحقيقة: لقد شُنّت حرب كبرى لاستئصال المقاومة، فانتهت بتكريسها لاعبًا لا يمكن تجاوزه.

ثانيًا – السيادة عقيدة لا ورقة تفاوض:

لا تطبيع، لا إنهاء لحالة العداء، ولا شرعية لأي مكسب ميداني للعدو. إنها رسالة صلبة موجهة إلى إسرائيل وإلى من يفاوض باسمها: السلام لا يُمنح، والسيادة لا تُقايض، والانسحاب الكامل هو الحد الأدنى لأي حديث.

ثالثًا – وحدة الداخل شرط النصر:

مدّت المقاومة يدها للدولة، لا من موقع ضعف، بل من موقع المبادرة، معلنة استعدادها الكامل للتنسيق مع الحكومة من أجل تفكيك الاحتلال، في معادلة واضحة: المقاومة رأس الحربة، والدولة مظلّة السيادة.

حين تلتقي الروح بالقرار: عاشوراء تكسر الحصار

ما ميّز هذا الإحياء العاشورائي ليس عدده، بل دلالته.

فالحشود التي ملأت الضاحية الجنوبية تحت التهديد، كسرت منطق الخوف، وأعادت تعريف النصر: ليس تفوقًا عسكريًا فحسب، بل بقاء الإرادة حيّة رغم الحصار.

هنا، تحوّل الحزن إلى وعي، والدمعة إلى موقف، والعزاء إلى استفتاء شعبي على خيار المقاومة.

كربلاء لم تعد حدثًا في الذاكرة، بل مدرسة سياسية تُعلّم الشعوب كيف تُنتزع الحقوق في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء.

الخاتمة: العاشر كبوصلة لا تنحرف:

أكد العاشر من محرّم هذا العام أن صمود الضاحية ليس ردّة فعل، بل خيار وجود. ليس موقفًا مرحليًا، بل امتدادًا طبيعيًا لثقافة مقاومة ترى في كربلاء أصل المعركة، وفي الحسين معيار الكرامة.

في هذا المشهد المهيب، امتزجت دموع العزاء بعزم البناء، ليُعاد تجديد العهد: لا ظلم يُشرعن، ولا احتلال يُكافأ، ولا سيادة تُجزّأ.

لقد أثبتت المقاومة، مرة أخرى، أنها لا تزال الأقدر على قراءة موازين القوى، وأن صدى الحسين في كربلاء ما زال الصوت الأعلى… صوتًا يُرعب الغزاة، ويثبّت الأقدام على طريق التحرير.

Leave A Reply