بقلم: الإعلامي قاسم صالح صفا
ليست مجرد صورة لركام وحجارة متناثرة، بل شهادة حية على حجم الدمار الذي خلفه العدوان الإسرائيلي في مدينة صور. ففي هذا المكان، حيث كانت تنطلق باصات التلامذة كل صباح حاملة أحلام الأطفال نحو مدارسهم، لم يبقَ سوى هياكل محطمة وأكوام من الإسمنت والحديد والأسلاك المتشابكة.
تقف الباصات المدمرة وسط الركام كأنها تروي قصة مدينة استهدفت في تفاصيل حياتها اليومية، فهذه المركبات التي خُصصت لنقل التلامذة بأمان تحولت إلى شاهد صامت على الاعتداء الذي طال البشر والحجر معاً. وبين الأبنية المتضررة والطرق المدمرة، يبدو المشهد وكأنه صفحة من ذاكرة الحرب التي ما زالت آثارها محفورة في وجدان أبناء صور.
هذه الصورة لا تختصر خسارة مادية فحسب، بل تعكس حجم المعاناة التي أصابت العائلات والأطفال والمؤسسات التربوية، وتؤكد أن العدوان لم يميز بين هدف عسكري أو مرفق مدني، بل طال كل ما يمت بصلة إلى حياة الناس واستقرارهم ومستقبل أبنائهم.
ورغم قساوة المشهد، تبقى صور مدينة الحياة والصمود. فكما نهضت من تحت الركام في محطات سابقة، فإن أبناءها اليوم أكثر تمسكاً بإرادة البقاء وإعادة الإعمار. وستعود المدارس لتفتح أبوابها، وستعود الباصات لتحمل التلامذة إلى مقاعد العلم، لأن إرادة الحياة أقوى من الدمار، ولأن مدينة صور التي صنعت تاريخها عبر آلاف السنين لن تنكسر أمام آلة العدوان.
وتبقى هذه الباصات المحطمة، الراقدة تحت أنقاض المبنى المدمر، شاهداً على جريمة استهدفت طفولةً كانت تبحث عن العلم، ومستقبلاً كان يسعى إلى النهوض، ومدينةً ما زالت تكتب بالصبر والصمود فصول بقائها.


