الشهيد كرم عيّاد: بين المالكية ودولة القلم
عدنان عبدالله الجنيد.
من جبل عامل إلى المالكية إلى بيروت: حين تُنجب الأرضُ شهيداً ويورّث الشهيدُ قضية وتتحول الحفيدة إلى سلاح وعي
الشهيد كرم عيّاد رضوان الله عليه… وارثُ الدمِ في المالكيّة، وصانعُ الوعي في حركة المستضعفين، ومؤسسُ دولة القلم في بيت عيّاد
ليس جبل عامل مجرد جغرافيا في خرائط الجنوب، بل هو عقيدة أرض، وذاكرة دم، ومدرسة تصنع الإنسان على صورة الموقف.
من وُلد هنا، لا يملك ترف الحياد.
في هذا الفضاء، ينهض بيت عيّاد كامتداد حيّ للأرض لا كعائلة عابرة. بيتٌ تشكّل من تداخل الشهادة بالفكرة، ومن امتزاج الدم بالمسؤولية، حتى صار الانتماء فيه تكليفاً لا انتماءً اجتماعياً.
لم يكن الكرم عندهم صفة، بل سجيّة، ولم يكن الاسم اعتباطياً، بل هوية ممتدة من الأرض إلى الفعل.
العزة ليست صفة تُقال، بل سلوك يُمارس، والكرامة ليست شعاراً، بل مساراً ممتداً عبر الأجيال.
المالكية: حين تأسس الدم الأول:
في المالكية عام 1948، لم تكن المعركة حدثاً عسكرياً عابراً، بل لحظة تأسيس لوعيٍ جديد في الجنوب اللبناني.
هناك، وقف الشهيد موس نايف عيّاد،رضوان الله عليه ،الجدّ، ضمن صفوف أبطال جيش الإنقاذ، في مواجهة مشروع احتلال مدعوم بتفوق عسكري واضح.
لم تكن مشاركته تفصيلاً في مشهد، بل جزءاً من ملحمة أعادت تعريف معنى الدفاع عن الأرض وكان أول شهيد في معركة المالكية
تحولت المالكية إلى رمز مبكر لالتصاق الجنوب بفلسطين، وإلى لحظة وعي بأن الحدود ليست خطوطاً جغرافية، بل خطوط دم ومسؤولية.
هناك، كُسرت قواعد العلوم العسكرية بحامية صغيرة أوقفت كتيبة صهيونية مدججة بالعتاد.
استشهاد الجد لم يكن نهاية، بل بداية سلالة نضالية حملت وصية غير مكتوبة: أن الأرض لا تُصان إلا بالثبات.
الشهيد كرم عياد: الاسم الذي صار مسؤولية:
نشأ كرم عياد في ظل هذا الإرث الثقيل، لا كعبء، بل كهوية متجذّرة في الأرض والذاكرة.
فكان ابن جبل عامل وعياً، وابن المالكية تكويناً، وابن القضية التزاماً.
لم يكن اسماً اعتباطياً، بل قدراً. فقد حمل من اسمه نصيبه كاملاً.
انخرط في مسار حركة المستضعفين حيث التقت العدالة الاجتماعية بخيار المقاومة، في امتداد للفكر الذي بلوره الإمام موسى الصدر، والذي أعاد تعريف الكرامة بوصفها فعلاً يومياً لا خطاباً نظرياً.
كان كرم عياد نموذج الإنسان العصامي؛ كريم السلوك، صلب الموقف، ثابت الانتماء.
لم يكن الكرم عنده صفة، بل سجيّة، بل مساراً في العطاء حتى حدود الفداء.
عاش مؤمناً أن الشهادة ليست نهاية حياة، بل ذروة معناها.
الكاتبة جمانة كرم عياد: من إرث الدم إلى سلاح الكلمة:
في بيوت الشهداء في جبل عامل، لا تنتهي الحكاية بالرحيل، بل تبدأ بأشكال جديدة من المواجهة.
وهنا يبرز امتداد السلالة في حضور الإعلامية جمانة كرم عياد.
لم تدخل جمانة الإعلام كمهنة فقط، بل كامتداد طبيعي لمسار طويل من التضحيات.
في زمن تحولت فيه المعركة إلى حرب رواية، أصبح القلم سلاحاً موازياً للبندقية، والإعلام جبهة من جبهات الصراع على الوعي.
قلمها صاروخ، وصوتها صفارة، ووجودها إعلان حرب على تزييف التاريخ.
إنها تحرس دماء جدها وشهيد أبيها بعين الحقيقة، وتمنع العدو من تشويه الذاكرة أو سرقة الرواية.
وهكذا يتحول الإعلام المقاوم إلى جبهة متقدمة، ويصبح بيت عيّاد نموذجاً لانتقال المقاومة من الميدان إلى الوعي.
الخاتمة : عهد لا ينكسر:
من المالكية حيث كُتب الدم الأول، إلى جبل عامل حيث تشكّل الوعي، إلى بيروت حيث تُخاض معركة الرواية، يتضح أن كرم عياد ليس اسماً في الذاكرة، بل حلقة في مشروع ممتد.
مشروع يؤمن أن:
الأرض تُحفظ بالدم
والدم يُصان بالوعي
والوعي يُورَّث كما تُورَّث الكرامة
بيت عياد قرر أن يكون إرثه الوحيد: القضية.
والشهداء أحياء، ونحن الأحياء على دربهم نمضي.
ويبقى العهد قائماً… والقضية حيّة،حتى يتحول الوعي إلى انتصار،والذاكرة إلى فعل، والدم إلى طريق لا ينكسر.
