كتب الأب طوني ساسين المرسل اللبناني رئيس دير مار مارون في قدموس:
أصحاب السماحة والسيادة والفضيلة،
السادة فعاليات مدينة صور المحترمين،
أيها الإخوة والأخوات الأحبة،
يشرفني أن أشارككم اليوم في إحياء ذكرى عاشوراء، هذه المناسبة التي تجاوزت حدود الزمان لتصبح نداءً دائماً إلى الضمير الإنساني.
فعاشوراء ليست مجرد استذكارٍ لمعركة وقعت في التاريخ، بل هي وقفة أمام قيمٍ لا تموت: قيمة الحق عندما يواجه الباطل، وقيمة الكرامة عندما تُهدَّد، وقيمة الأمانة عندما تصبح مكلفة. ولهذا بقي الإمام الحسين حاضراً في وجدان المؤمنين، لأنه علّم الأجيال أن الإنسان لا يُقاس بطول عمره، بل بصدق مواقفه.
ونحن، كمسيحيين، ننظر باحترام إلى هذه القيم، لأنها تلتقي مع ما يدعونا إليه الإنجيل من الثبات على الحق، وخدمة الإنسان، وصناعة السلام القائم على العدالة. يقول الرب يسوع: «طوبى لصانعي السلام، فإنهم أبناء الله يُدعون». والسلام الذي يباركه الله ليس صمتاً أمام الظلم، بل ثمرة العدالة، واحترام الكرامة الإنسانية، والمصالحة الصادقة.
أيها الأحبة،
إن أجمل ما في لبنان أنه لم يُبنَ على التشابه، بل على اللقاء. فمنذ عقود طويلة، عاش المسيحيون والمسلمون معاً، وتقاسموا الأفراح والأحزان، وحموا قراهم ومدنهم، وأثبتوا أن الإيمان بالله يمكن أن يكون جسراً يقرّب، لا جداراً يفصل.
ولذلك كان الإمام موسى الصدر بعيد النظر عندما قال: «الطوائف نعمة، والطائفية نقمة.» فالتنوع الذي وهبه الله لوطننا هو غنى، أما تحويله إلى انقسام وعداء فهو خيانة لرسالة الدين والوطن معاً.
إن لبنان اليوم يحتاج إلى استعادة هذه الروح. يحتاج إلى أن ننتصر على الفساد كما ننتصر على الكراهية، وأن نحارب اليأس كما نحارب الظلم، وأن نؤمن بأن مستقبل أولادنا أهم من خلافاتنا. فلا يمكن أن تقوم دولة إذا غابت العدالة، ولا يمكن أن يبقى وطن إذا فقد أبناؤه الثقة ببعضهم البعض.
أيها الإخوة والأخوات،
في عاشوراء، لا نحيي ذكرى الماضي فحسب، بل نجدد التزامنا بأن يبقى الإنسان أغلى من المصالح، وأن تبقى الحقيقة أقوى من الخوف، وأن تبقى المحبة أقوى من الأحقاد.
فلنصلِّ معاً من أجل لبنان، ومن أجل جميع أبنائه، مسلمين ومسيحيين، كي يبقى وطننا أرض اللقاء والحرية والكرامة، وكي يمنحنا الله جميعاً الشجاعة لنكون شهوداً للحق، وصانعي سلام، وبناة رجاء.
رحم الله الشهداء، وحفظ لبنان وشعبه، وأدام بين أبنائه روح الأخوة والمحبة.
شكراً لكم.

