إذا لم تعبر نهر الأولي يوماً… فلن تعرف معنى الجنوب، ولن تعرف لماذا تسكن صور القلب كما تسكن الروح الجسد

إذا لم تعبر نهر الأولي يوماً… فلن تعرف معنى الجنوب، ولن تعرف لماذا تسكن صور القلب كما تسكن الروح الجسد

هناك، عند ضفاف الأولي، يبدأ شيء يشبه العودة إلى الذات. يتنفس أهل الجنوب الصعداء عندما يعبرون الجسر وتلوح أمامهم المآذن والكنائس والبيوت القديمة، ويظهر برج سيدة المنطرة حارساً للذاكرة، فيما تفتح صيدا ذراعيها للعائدين.

من هناك تبدأ رحلة الحنين. يعرج البعض على العاقبية، ويقف آخرون في الصرفند حيث يختلط ملح البحر بعرق الصيادين، ثم تمضي الطريق جنوباً، وكلما اقتربت من صور خفّ ثقل العالم عن الكتفين، وكأن المدينة تمتلك قدرة سحرية على تضميد الأرواح المتعبة.

صور…

مدينة الأرجوان التي علّمت البحر معنى الخلود، وحملت لونها إلى أصقاع الأرض، بينما كانت تخبئ في قلبها لوناً آخر؛ لون المحبة والكرامة والانتماء. ليست مدينة من حجر فقط، بل مدينة من ذاكرة. في كل زقاق حكاية، وفي كل بيت قصة انتظار، وفي كل موجة بحر اسم شهيد أو عاشق أو مهاجر ما زال قلبه معلقاً عند الشاطئ.

صور التي شهدت ولادة الحضارات وعبور السفن وعودة المسافرين، ما زالت حتى اليوم تشبه أماً جنوبية تنتظر أبناءها عند الباب. مهما ابتعدوا عنها، تعيدهم إليها رائحة البحر، وصوت المراكب القديمة، وأحاديث المساءات الطويلة على الأرصفة التي حفظت أسرار أجيال كاملة.

وفي الجنوب كله، من النبطية إلى مرجعيون إلى بنت جبيل، ومن القرى المعلقة على التلال إلى البلدات الملامسة لحدود فلسطين ، لا يسأل الناس بعضهم عن الطائفة قبل أن يسألوا عن الحال. هنا تتعانق أجراس الكنائس مع الأذان، ويحتفل الجيران بالأعياد معاً، ويجتمعون حول الوجع نفسه حين تحل المحن.

لهذا كان الجنوب دائماً أكبر من جغرافيا. كان فكرة حياة. وكان صورته الأجمل في مدينة اسمها صور.

واليوم، حين يثقل الحزن القلوب وتترك الحروب ندوبها في الذاكرة، يتوجع الجنوب كله. تتوجع صور كما تتوجع القرى التي دفعت من أبنائها وبيوتها وأحلامها أثماناً باهظة.

لكن الجنوب الذي عرف الاحتلال والحرب والتهجير، عرف أيضاً كيف ينهض من تحت الركام. قد تنكسر الأغصان،

 لكن الجذور تبقى راسخة في الأرض، ممتدة في عمق التاريخ، ثابتة كإيمان الناس بحقهم في الحياة.

لا تعنينا أبراج العالم بقدر ما يعنينا مقعد قديم أمام بيت العائلة. لا تغرينا المدن البعيدة بقدر ما تغرينا جلسة مساء على شاطئ صور، أو فنجان قهوة مع الأحبة، أو ضحكة طفل عادت إلى الأزقة بعد ليلة طويلة من الخوف.

يا صور…

يا مدينة الإمام الصدر، ويا مدينة البحر والأرجوان والشهداء ، ويا نافذة الجنوب المفتوحة على التاريخ. ستبقين رغم الألم شامخة كالموج، وعنيدة كزيتون الأرض، ودافئة كحضن أم تنتظر أبناءها مهما طال الغياب.

فإذا كان لكل إنسان وطن يسكنه، فإن للجنوبيين وطناً يسكنهم. وطن اسمه الجنوب، وقلبه النابض مدينة اسمها صور.

وما أطيب العيش إلا في ترابها، وما أصدق الحنين إلا إليها، وما أشد الوجع حين تبتعد عنها، لأنها ليست مكاناً نعود إليه فحسب، بل هي جزء من أرواحنا لا يغادرنا أينما ذهبنا.

صورفي :1 حزيران 2026

صدر داوود

Leave A Reply