وأمضي في الكتابة، لا بدافع الترف أو التسلية، بل لأنّها حاجةٌ داخليّة لا يمكن الهروب منها. أكتب لأعبّر، لأفصح عمّا يختلج في صدري، ولأنشر ما قد يعجز اللسان أحيانًا عن قوله. فالكتابة ليست مجرّد حروف تُرصّ، بل هي نبضٌ يُترجم، وصوتٌ يبحث عن صداه في هذا العالم.
في الكتب، سواء أكانت أدبًا أم فلسفةً أم علومًا، نجد عوالم واسعة من الأفكار والتأمّلات، نغوص فيها ونستلهم منها معاني الحياة. لكنّ الحياة نفسها تبقى شيئًا آخر؛ فهي ليست مجرّد نصوص تُقرأ، بل تجارب تُعاش، ووقائع تُلامس الروح قبل العقل. هناك، في تفاصيل الأيام، تتجلّى الحقيقة كما هي: فرحٌ يمرّ كنسمة، وحزنٌ يثقل القلب، وصمودٌ يُولد من رحم المعاناة.
من هنا، تصبح الكتابة أكثر من مجرّد خيار؛ إنّها ضرورة. ضرورة لنحفظ ما مررنا به، لنُبقي الذكريات حيّة، ولئلّا تضيع التجارب في زحام النسيان. فالوقائع التي لا تُكتب، كأنّها لم تكن، والأحداث التي لا تُروى، تذبل في صمت الزمن.
إنّ الروايات التي تُستمدّ من الحياة لا تقتصر على السرد، بل تحمل في طيّاتها دروسًا وعِبرًا، تضيء الطريق لمن يأتي بعدنا. فالكتابة، في جوهرها، هي فعل مقاومة للنسيان، ومحاولة لانتزاع المعنى من قلب الفوضى، وتثبيت الحقيقة في وجه التبدّل.
وهكذا، تبقى الكتابة جسرًا بين ما نعيشه وما نريد أن يبقى، بين اللحظة العابرة والذاكرة الخالدة. نكتب لأنّنا نؤمن أنّ للحياة حكاية تستحق أن تُروى، وأنّ لكل تجربة، مهما كانت بسيطة أو مؤلمة، قيمةً إنسانيّة لا يجوز أن تُهمل.
