حين تشتعل مضائق النفط… هل تتدخل الصين؟ – د. محمد عاصي
لم تعد المواجهة القائمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، حدثاً إقليمياً قابلاً للاحتواء ضمن حدود الشرق الأوسط، بل أخذت تتبلور كأزمة بنيوية متعددة الأبعاد، تتقاطع فيها الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد العالمي، وتنعكس بشكل مباشر على أمن الطاقة الدولي. فالتقارير الصادرة عن مؤسسات إعلامية وتحليلية دولية تشير إلى أن هذه المواجهة أفضت إلى واحدة من أكثر صدمات الطاقة حدّة في العقود الأخيرة، حيث لم تعد تداعياتها محصورة في مسارح العمليات العسكرية، بل امتدت لتطال بنية النظام الاقتصادي العالمي، وفي مقدمته الاقتصاد الصيني بوصفه الأكثر اعتماداً على تدفقات الطاقة الخارجية.
تُعدّ الصين اليوم أكبر مستهلك للطاقة في العالم، إذ يناهز استهلاكها اليومي من النفط 15 مليون برميل، في حين تعتمد على الاستيراد لتغطية أكثر من 70% من احتياجاتها. ويكتسب الشرق الأوسط أهمية محورية في هذا السياق، إذ يزوّد بكين بما يزيد عن نصف وارداتها النفطية، بينما يحتل النفط الإيراني موقعاً متقدماً ضمن هذه المعادلة بنسبة تقارب 13%. وتكمن نقطة الهشاشة الأساسية في هذا النموذج في الطبيعة الجيوسياسية لمسارات الإمداد، ولا سيما مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي، ما يجعل أي اضطراب عسكري—خصوصاً في حال إغلاق المضيق أو تعطيله—عاملاً قادراً على إحداث اختناق فعلي في تدفقات الطاقة نحو الاقتصادات الكبرى، وعلى رأسها الصين.
في هذا الإطار، تشير تقديرات حديثة إلى تراجع الإمدادات العالمية بما يتراوح بين 8 و12 مليون برميل يومياً، مترافقة مع ارتفاع أسعار النفط إلى ما يتجاوز 110 دولارات للبرميل، وزيادات قاربت 60% خلال فترة زمنية قصيرة. هذه المؤشرات لا تعبّر فقط عن تقلبات في سوق الطاقة، بل تعكس عملية إعادة تسعير شاملة للاقتصاد العالمي، حيث تنتقل آثارها إلى مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية. بالنسبة للصين، يترجم هذا الارتفاع إلى أعباء مالية مباشرة، إذ يؤدي كل ارتفاع بمقدار 10 دولارات في سعر البرميل إلى زيادة كبيرة في فاتورة الاستيراد، بما قد يوازي نحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي، فضلاً عن انعكاساته على كلفة الإنتاج الصناعي، وتآكل القدرة التنافسية للصادرات التي تتجاوز قيمتها 3 تريليونات دولار سنوياً، إضافة إلى تهديد مستهدفات النمو الاقتصادي التي تسعى بكين للحفاظ عليها عند حدود 5%.
ولا تقتصر التداعيات على البعد الطاقوي فحسب، بل تمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية التي تشكّل ركيزة أساسية في النموذج الاقتصادي الصيني. فارتفاع تكاليف النقل البحري والتأمين، إلى جانب اضطراب الممرات الاستراتيجية، يؤدي إلى اختلالات في تدفقات التجارة الدولية، ما ينعكس سلباً على كفاءة الشبكات اللوجستية العالمية. وقد عبّرت الصين رسمياً عن هذه المخاوف، محذّرة من أن استمرار الحرب يهدد منظومة مترابطة تشمل الطاقة والتجارة والشحن الدولي في آن واحد، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لترابط المخاطر في النظام العالمي المعاصر.
في ضوء هذه المعطيات، يمكن رصد تحوّل تدريجي في الخطاب السياسي الصيني، حيث انتقلت بكين من موقع المراقب الحذر إلى موقع أكثر انخراطاً على المستوى الدبلوماسي. فقد حذّر ممثلها في الأمم المتحدة من تداعيات إضفاء الشرعية على استخدام القوة خارج الأطر القانونية، في حين وصفت وزارة الخارجية الصينية العمليات العسكرية بأنها انتهاك للقانون الدولي. يعكس هذا الخطاب محاولة لإعادة تأطير الأزمة ضمن مرجعية قانونية دولية، وفي الوقت ذاته يعبر عن قلق استراتيجي متزايد إزاء انعكاساتها على الأمن القومي الاقتصادي الصيني.
غير أن السؤال المحوري الذي يطرح نفسه في هذا السياق يتمثل في مدى استعداد الصين للانتقال من مستوى الموقف السياسي إلى مستوى الفعل الاستراتيجي دعماً لإيران، انطلاقاً من اعتبارات المصلحة الحيوية. إن تحليل هذا الاحتمال يكشف عن معادلة مركبة تحكم السلوك الصيني. فمن جهة، تمتلك بكين أدوات متعددة للدعم غير المباشر، تشمل تعزيز وارداتها من النفط الإيراني بشروط تفضيلية، وتوفير غطاء دبلوماسي في المحافل الدولية، فضلاً عن توسيع نطاق التنسيق مع قوى دولية أخرى، بما يسمح لها بتأمين مصالحها دون الانخراط في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. ومن جهة أخرى، فإن أي انخراط أعمق—خصوصاً في المجالين الأمني أو البحري—ينطوي على مخاطر تصعيدية قد تؤدي إلى تقويض شبكة المصالح الاقتصادية العالمية التي تعتمد عليها الصين نفسها، ما يجعل كلفة هذا الخيار مرتفعة وغير مضمونة النتائج.
أما خيار الحياد، الذي شكّل تقليدياً أحد أعمدة السياسة الخارجية الصينية، فيبدو في هذه المرحلة أكثر تعقيداً، إذ لم يعد الحياد يضمن بالضرورة تحييد المخاطر. فمع تصاعد الترابط بين الاقتصاد العالمي وممرات الطاقة، قد تتحول كلفة عدم التدخل إلى عامل ضاغط على الاستقرار الداخلي، بما يفرض على صانع القرار الصيني إعادة تقييم هذا الخيار ضمن سياق دولي يتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين.
تكشف هذه الأزمة عن مفارقة بنيوية في موقع الصين داخل النظام الدولي؛ فهي دولة استفادت على مدى عقود من بيئة دولية قائمة على الاستقرار النسبي وانسيابية التجارة، لكنها تجد نفسها اليوم في مواجهة نظام عالمي آخذ في التحول نحو التنافس والصراع، حيث تتحول الطاقة إلى أداة ضغط، والممرات البحرية إلى نقاط احتكاك، والأسواق إلى ساحات تنافس جيوسياسي. وتشير تحليلات اقتصادية إلى أن أي نزاع طويل الأمد في الشرق الأوسط قد لا يقتصر تأثيره على المدى القصير، بل قد يسهم في إعادة تشكيل موازين القوى الاقتصادية عالمياً، وربما إعادة ترتيب مواقع الفاعلين الرئيسيين في النظام الدولي.
في الخلاصة، لا تنحصر أهمية هذه المواجهة في حجم تداعياتها المباشرة على الشرق الأوسط، بل في قدرتها على استدراج قوى كبرى، مثل الصين، إلى مستويات متقدمة من الانخراط الاقتصادي والاستراتيجي. فالمسألة بالنسبة لبكين لم تعد مرتبطة بخيارات سياسية مجردة، بل باتت تمسّ صميم أمنها الاقتصادي، حيث يتحول ضمان تدفق الطاقة إلى مسألة ذات طابع وجودي. وبينما تواصل الصين التأكيد على مبادئ القانون الدولي، فإن هذا الموقف لا ينفصل عن سعيها لحماية شريانها الحيوي، في عالم تتزايد فيه احتمالات الانتقال من منطق التوازن إلى منطق القوة.
