انقضت المهلة التي أعطاها وزير الخارجية يوسف رجي إلى السفير الإيراني محمد رضا شيباني لمغادرة لبنان، من دون أن يحرك الأخير ساكناً حيث بقيَ في سفارة بلاده يتابع عمله، في وقت ارتفعت فيه المواقف التحريضية ضده والتي تعكس غضباً على فشل محور “القوات اللبنانية” في إتمام هذه المهمة الموكلة إليه.
هذا الغضب بدا واضحًا على رئيس القوات سمير جعجع بعدما كشفت التطورات الأخيرة أن محاولة وزيره رجي كانت خطوة خارجة عن السياق الدستوري وأنها اصطدمت بالصلاحيات الرئاسية وبالتوازنات والحساسيات اللبنانية، حيث تجاهل مجلس الوزراء قراره، ولم يعلق رئيس الجمهورية عليه سلبا ولا إيجابا، ما حوّل القرار إلى “لزوم ما لا يلزم”.
محاولة رجي شكلت تجاوزًا واضحًا لصلاحياته التي لا تخوله اتخاذ القرار بطرد أي سفير دولة. وهذه الصلاحية هي حصرًا من حق رئيس الجمهورية الذي يقبل اعتماد السفراء أو مجلس الوزراء المنعقد برئاسته، لكن رجي اختار بتوجيه من جعجع وضع أركان الدولة اللبنانية أمام أمر واقع في خطوة أثارت ردود أفعال سياسية وأدت في نهاية المطاف إلى “إنقلاب السحر على الساحر”.
جعجع الغاضب على بقاء السفير شيباني كتب على منصة “إكس” كلامًا حاد اللهجة موجها إلى وزارة الخارجية الإيرانية.
وقال: “إن مخالفة قرارات الحكومة اللبنانية ليست بطولة، وإن تخطي القوانين لم يُحتسب يوما إنجازًا، وإن قرار الحكومة الإيرانية إبقاء سفيرها في لبنان على الرغم من قرار الحكومة اللبنانية الطلب منه مغادرة الأراضي اللبنانية، لهو قمّة الازدراء بالقوانين الدولية وأصول التعاطي بين الدول”.
اللافت في كلام جعجع ليس فقط هجومه على إيران، بل الصفة التي يخاطب بها الخارجية الإيرانية، فهو ليس نائبًا ولا وزيرًا، وليس له أي مسؤولية رسمية في الدولة اللبنانية، بل مجرد رئيس حزب يسعى لإظهار نفسه وكأنه يمثل الحكم أو لديه سطوة على الدولة، حيث أن ما كان يتهم به حزب الله بدأ بممارسته بشكل نافر.
في هذا الاطار ترى مصادر سياسية متابعة أن “جعجع يتجاوز حدوده. ويحاول الاستقواء على الدولة اللبنانية مستندًا إلى المتغيرات الإقليمية، وباعتبار أن المعركة بين إسرائيل والمقاومة ستغير المعادلة السياسية في لبنان”.
وأن اللغة الانفعالية التي تحدث بها جعجع وفق هذه المصادر، “لا تأتي إلا من إمكانية الفشل أمام القوى الدولية التي وعدها بقدرة القوات على طرد السفير الإيراني، وهو واقع يؤكد محدودية تأثيرها في ظل التوازنات الداخلية اللبنانية.
لا شك في أن المشهد الحالي يُظهر أن محاولة جعجع فرض إرادته على الدولة لم تحقق سوى مزيد من الانكشاف أمام الجمهور اللبناني والقوى الدولية، ويؤكد بالتالي أن القوة السياسية الحقيقية في لبنان لا تُقاس بالبيانات النارية أو التصريحات الإعلامية، أو بالخطط الجهنمية، بل بالقدرة على العمل ضمن الصلاحيات الدستورية وموازين القوى الواقعية.
غسان ريفي – سفير الشمال

