لبنان في عين العاصفة: الوحدة الوطنية سلاحه الأخير بين الحرب والتفاوض

د. محمد عاصي –

في خضم هذا المشهد الإقليمي المشتعل، لا يبدو لبنان ترفاً في خياراته، بل يقف عند مفترق دقيق بين التفكك والصمود. فالتطورات المتسارعة من غزة إلى البحر الأحمر، ومن إيران إلى الحدود الجنوبية، ترسم بيئة شديدة التعقيد، حيث تتداخل الحسابات الدولية مع الهواجس المحلية. وفي ظل هذا الضغط، يصبح الداخل اللبناني خط الدفاع الأول، لا الجبهات العسكرية فقط. فالتاريخ اللبناني أثبت مراراً أن الانقسام الداخلي كان المدخل الأخطر لكل اختراق خارجي، بينما شكّلت الوحدة الوطنية السدّ الأمتن في وجه العواصف.

المهم في المشهد الداخلي اليوم هو التماسك الوطني وتكامل السلطات، رغم وجود بعض الأصوات التي تراهن على الخارج أو تنتظر انهيار الداخل. هؤلاء، مهما علت ضوضاؤهم، يبقون خارج المزاج العام الذي يدرك أن سقوط الدولة لن ينجو منه أحد. في المقابل، يبرز الاحتضان الوطني للنازحين والمواقف الإيجابية الصادرة عن شخصيات مثل عبد اللطيف دريان وسليمان فرنجية ووليد جنبلاط وأسامة سعد، إضافة إلى العديد من القيادات المسيحية والسنية، كعامل أساسي في تفويت الفرصة على أي مشروع يهدف إلى تدمير لبنان أو إدخاله في فتنة داخلية.

أما في ما يتعلق بالوضع الميداني، فإن ردّ حزب الله ببضعة صواريخ لم يكن إلا نتيجة تراكم طويل من الاغتيالات والضربات الإسرائيلية التي استمرت لأكثر من سنة ونصف، في مشهد يشبه الاستنزاف المنهجي. ورغم ذلك، حافظ الحزب لفترة طويلة على سياسة ضبط النفس، تفادياً لتكرار موجات النزوح والدمار التي يدفع ثمنها المدنيون أولاً.

وقبل الحديث عن دعم روسي أو صيني لإيران، لا بد من الإشارة إلى أن إيران أثبتت خلال العقود الماضية أنها دولة ذات قدرة عالية على الصمود والمواجهة. فالمقارنة مع تجارب كـ الحرب في أفغانستان تطرح سؤالاً جوهرياً: إذا كانت قوى كبرى عجزت عن حسم معركة هناك، فكيف يمكن تصور سيناريو احتلال إيران؟ لذلك، فإن أي حرب مفتوحة تعني بالضرورة خراباً واسع النطاق، لا يمكن احتواؤه ضمن حدود جغرافية ضيقة.

لكن السؤال الأهم يبقى: ماذا يريد الإسرائيلي؟

الجواب، كما يبدو من سلوكه، أنه يريد كل شيء؛ من فرض وقائع أمنية جديدة، إلى جرّ المنطقة نحو صراع عربي–إيراني يفتت الأولويات ويعيد رسم الاصطفافات بما يخدم مصالحه الاستراتيجية.

في هذا السياق، تبرز مسألة المفاوضات بين لبنان وإسرائيل كملف بالغ الحساسية. فما هو جدول أعمال هذه المفاوضات؟ وما هي السقوف التي يتحرك ضمنها المفاوض اللبناني؟ التجارب السابقة تدعو إلى الحذر، وأبرزها محطة اتفاق 17 أيار 1983، الذي جاء في ظل الاحتلال الإسرائيلي لبيروت بعد اجتياح 1982. يومها، سعت إسرائيل إلى فرض اتفاق أمني–سياسي يُخرج لبنان من الصراع العربي–الإسرائيلي ويضعه في دائرة النفوذ المباشر. لكن هذا الاتفاق سقط تحت ضغط الرفض الشعبي والسياسي الواسع، وأُلغي رسمياً، ليصبح مثالاً على خطورة التفاوض في ظل اختلال موازين القوى وغياب الإجماع الداخلي.

من هنا، تبرز الحاجة إلى وضوح كامل: ما هي أوراق القوة اللبنانية؟ وكيف يمكن توظيفها؟ وهل هناك استراتيجية تفاوضية موحدة؟ لا يجوز تكرار تجارب تاريخية مؤلمة، سواء تجربة ياسر عرفات في محطات معينة، أو غيرها من اللحظات التي فُرضت فيها تسويات تحت الضغط.

المطلوب اليوم ليس فقط موقفاً سياسياً، بل إطاراً مؤسساتياً واضحاً. عقد جلسة نيابية مفتوحة بطلب من الحكومة لمناقشة مسار المفاوضات، ووضعها أمام الرأي العام، يشكّل خطوة أساسية لكسر منطق الكواليس وتعزيز الشفافية. صحيح أن لرئيس الجمهورية حق التفاوض، لكن هذا الحق يصبح أكثر قوة ومشروعية عندما يستند إلى توافق وطني غير متوافر حتى الآن.

أما على المستوى الدولي، فإن الرهان على فرنسا وحدها لم يعد كافياً في ظل تراجع دورها. لذلك، قد يكون من المفيد الانفتاح على أدوار لدول مثل تركيا أو مصر، بما تملكه من قنوات اتصال وخبرة تفاوضية، شرط أن يتم ذلك ضمن رؤية واضحة لا ارتجال فيها، ووفق مرجعية ثابتة، أبرزها الالتزام بـ خط الهدنة 1949 كحد أدنى لا يمكن التنازل عنه.

في الخلاصة، لا يمكن للبنان أن يواجه هذه المرحلة إلا بوحدته. وهنا يستحضر اللبنانيون قول الإمام موسى الصدر الذي اختصر المعادلة بعبارة عميقة:

إن “الوحدة الوطنية هي أفضل أشكال الحرب مع إسرائيل”، لأنها تسقط رهانات العدو على الانقسام، وتحول المجتمع إلى جبهة متماسكة لا يمكن كسرها، مهما اشتدت الضغوط.

Leave A Reply