كتب الاعلامي قاسم صالح صفا –
لم يكن موقع صوت الفرح مجرد مؤسسة إعلامية عادية، ولا مجرد موقع إلكتروني ينقل خبراً أو صورة. كان على مدى أكثر من ثلاثين عاماً مساحةً للضوء في مدينة صور، ومنارةً إعلامية صدح صوتها من الجنوب إلى كل لبنان، ومنها إلى العالم حيث يقيم اللبنانيون المنتشرون في أصقاع الأرض.
منذ انطلاقته، حمل هذا الموقع اسماً يشبه رسالته: الفرح. فكان بالفعل صوتاً للحياة في منطقة عرفت الألم كما عرفت الصمود. كتب عن السياسة كما كتب عن الإنسان، وعن البيئة كما عن التربية والثقافة والرياضة، وكان نافذةً يوميةً يطلّ منها الجنوبيون على الحقيقة، وخيط تواصل بين اللبناني المقيم والمغترب، وبين الجنوب والعالم.
كبر الموقع مع الأجيال. كبر مع صحافيين حملوا رسالة الكلمة الصادقة، ومع قراء وجدوا فيه ملاذاً لخبرٍ موثوق وصورةٍ تعكس واقعهم دون تزييف. كان صوتاً دائماً للمقاومة الثقافية والإعلامية في مواجهة الاحتلال، ومساحةً للكلمة الحرة التي ترفض أن تُخنق.
ولم يكن غريباً أن يستهدفه الاحتلال الإسرائيلي في إحدى غاراته الخبيثة، فالمحتل يعرف جيداً أن الإعلام الحر أخطر من كثير من الأسلحة. حين دُمّر المبنى الذي يحتضن صوت الفرح وموقعه الإخباري الإلكتروني، لم يكن القصف موجهاً إلى حجارةٍ فقط، بل إلى ذاكرةٍ إعلاميةٍ امتدت أكثر من ثلاثة عقود، وإلى تجربةٍ صنعتها أقلامٌ مؤمنة بالوطن والإنسان.
لقد أدار هذا الموقع رجالٌ شرفاء نهلوا من مدرسة الإمام القائد السيد موسى الصدر، تلك المدرسة التي آمنت بالإنسان قبل الطائفة، وبالوطن قبل الانقسام، وبالعيش المشترك بين المسلم والمسيحي كحقيقةٍ لبنانيةٍ لا يمكن أن تُكسر. ومن هذا المعين تشكلت هوية الموقع: إعلامٌ وطني جامع، يكتب للناس جميعاً دون تمييز.
قد يدمّر العدوان جداراً أو غرفة أخبار، لكنه لا يستطيع أن يطفئ الفكرة. فالكلمة التي خرجت من صور إلى العالم طوال هذه السنوات لن تسكت، والرسالة التي حملها صوت الفرح لن تتوقف. لأن الإعلام الحقيقي لا يسكن في الحجر فقط، بل في ضمير من يكتب، وفي ذاكرة من يقرأ.
ومهما جار الزمن، سيبقى هذا الصوت حيّاً في وجدان الجنوب، وفي ذاكرة الإعلام اللبناني، شاهداً على مرحلةٍ كتب فيها الصحافيون تاريخ الناس بكلمةٍ صادقة. وسيعود صوت الفرح كما كان دائماً: نافذةً للحقيقة، ومنبراً للحياة، وركناً من أركان الإعلام الوطني في لبنان والمنطقة.

