تحت التراب ينام الرفاق قلبي لهم مشتاق – الإعلامية جمانة كرم عياد

الإعلامية جمانة كرم عياد

ها هم يتركوننا واحداً تلو الآخر، كأوراق الخريف المتساقطة التي لا تستشير الغصن قبل الرحيل. يغادرون في صمت، مُتخفّين تحت عباءة الفجر أو في زوايا الليل الحزينة، تاركين خلفهم فراغاً لا يملاَه سوى الذكريات وأصداء أصوات لم نكن نعلم أننا سنشتاق إليها بهذا الوجع.

كلّ رحيل يترك جرحاً جديداً في نسيج الروح. نغدو مع الوقت مثل أطلال تحمل آثار من رحلوا، كُتب على جدرانها بأحرف من نور: “كانوا هنا”. كانوا هنا يملؤون الدنيا ضحكاً وحكايا، وكانوا هنا يشاركوننا التفاصيل الصغيرة التي تصبح بعد رحيلهم كنوزاً لا تقدّر.

أتساءل أحياناً: لماذا يأخذ الموت الأغلى دوماً؟ لماذا ينتقي برقة قاسية تلك الورود التي تتفتح في حديقة قلوبنا، ليضعها في مزهرية الأبدية البعيدة؟ وكيف لنا أن نتعلم فنّ الفراق ونحن لم ندرس سوى دروس اللقاء؟

يحلو للبعض أن يقول إنهم صاروا نجوماً في السماء، أو أنهم في مكان أفضل. لكن الحقيقة المرة أنهم تحت التراب، ونحن فوقه نحمل ثقل الغياب.

ربما الغياب هو الحضور الأبدي. هم ينامون تحت التراب، لكنهم يستيقظون في كل لحظة: في رائحة تطيب في مكان كانوا يجلسون فيه، في مناسبة نحتفل بها ونجد أن الفرح ناقص لأنهم ليسوا بيننا.

تحت التراب ينام الرفاق، ولكنهم في القلب يستيقظون كلما أغلقنا أعيننا وتذكرنا. هم ليسوا أرقاماً في سجل الوفيات، بل قصص حية تسكننا. موتهم ليس نهايتهم، بل تحول حضورهم إلى شكل آخر، حضور يملأ الصمت ويخاطبنا في المنامات وفي تلك اللحظات الهادئة التي نحتاج فيها إلى صوتهم.

تحت التراب ينام الرفاق، وفوقه يقف الأحياء يحملون ذكراهم مشاعل تضيء الطريق للأيام الباقية. حتى يأتي دورنا، ولنأتي بعده، لنكون نحن أيضاً ذكريات في قلوب من يحبوننا.

تحت التراب ينام الرفاق، لكنهم في القلب لا يغيبون. موتهم ليس نهايتهم، بل تحول حضورهم إلى حكاية تروى، وذكرى تبقى، وحب لا يموت.

قلبي لهم مشتاق، وهذا الشوق نفسه هو ما يربطني بالحياة. يذكرنا بأن ننتظر حتى يأتي دورنا، لنكون نحن أيضًا ذكريات دافئة في قلوب من نتركهم وراءنا….

Leave A Reply