بقلم المحامي سميح بركات.
في خطوة وصفت بأنها “إعادة ضبط” تاريخية لمسار الدبلوماسية البريطانية، اختتم رئيس الوزراء كير ستارمر زيارة رسمية إلى الصين استمرت أربعة أيام، بدأت في 28 كانون الثاني 2026 وانتهت في الحادي والثلاثين من الشهر ذاته. هذه الزيارة، وهي الأولى لزعيم بريطاني منذ ثماني سنوات، لم تكن مجرد رحلة للبحث عن صفقات تجارية، بل كانت بياناً سياسياً بريطانيًا يعلن التمسك بـ “البراغماتية الواقعية” في عالم تتقاذفه أمواج الصراع بين القوى العظمى.
ولعل المشاهد الأكثر دلالة في هذه الرحلة لم تكن في القاعات المغلقة للبيت العظيم في بكين، بل في أزقة “حديقة يويوان” العريقة بشنغهاي، حيث تجول ستارمر وسط الحشود الصينية، متذوقاً حلوى “البالمييه” المحلية ومشترياً للهدايا التذكارية. هذه الجولة الميدانية حملت رسالة مبطنة مفادها أن الشعوب تحتاج للانفتاح على بعضها البعض، وأن منطق “صراع الحضارات” يمكن هزيمته بـ “حوار المصالح” والتبادل الثقافي البسيط.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أثمرت الزيارة عن اختراقات ملموسة تجاوزت قيمتها 30 مليار جنيه إسترليني، شملت قطاعات حيوية كالتكنولوجيا الخضراء والخدمات المالية. وكان لافتاً النجاح في خفض الرسوم الجمركية على الويسكي الإسكتلندي من 10% إلى 5% في دلالة واضحة على عدم الإذعان لتهديدات ترامب وإيجاد سوق بديل للأسواق الأميركية، وانتزاع اتفاقية “التأشيرة الحرة” لمدة 30 يوماً للمواطنين البريطانيين، فضلاً عن رفع بكين للعقوبات عن برلمانيين بريطانيين؛ وهي مكاسب اعتبرها ستارمر “ثمار الاستقرار والوضوح” في التعامل مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
إلا أن هذه التحركات لم تمر مرور الكرام في واشنطن؛ فبينما كان ستارمر يصافح الرئيس شي جين بينغ، كانت الدوائر السياسية الأمريكية، وخاصة الجناح المؤيد لسياسات دونالد ترامب، تراقب بحذر وقلق. اعتبرت واشنطن هذا التقارب “تصدعاً” في الجبهة الغربية الموحدة ضد التمدد الصيني، ووصفت بعض الأصوات الأمريكية الرحلة بأنها “رهان خطير” قد يضعف التحالف الاستراتيجي بين لندن وواشنطن.
لكن ستارمر، الذي رفض فكرة “الاختيار القسري” بين الحليف الأمريكي والشريك الصيني، أكد أن بريطانيا لن تدفن رأسها في الرمال تجاه واقع اقتصادي يربطها بالشرق. إنها رسالة واضحة مفادها أن بريطانيا ترفض الانخراط في “حرب باردة جديدة” تؤسس للانعزال، مفضلةً بدلاً من ذلك نموذجاً يحفظ أمنها القومي دون التضحية بازدهارها الاقتصادي، وهو نهج يضع “حوار الحضارات” فوق طبول الحرب التجارية والسياسية التي تقرع في واشنطن.

