أسوأ ما في المشهد اللبناني اليوم هو هذا الدرك الذي وصلت إليه “السياسة” التي تحولت من خدمة الناس وتأمين مصالحها والعمل على بناء الدولة ومؤسساتها وتعزيز الشفافية والمحاسبة والعدالة والمساواة، الى ساحة لتبادل الإتهامات وكيل الشتائم ونبش القبور وتسجيل النقاط وإستعادة مفردات الحرب الأهلية المقيتة التي يجهد اللبنانيون لمسح ذكرياتها الأليمة ولعدم العيش في ظل هواجسها المرعبة التي تظهر مع كل تصريح أو عند أي خلاف أو إستحقاق.
لا شك في أن خروج بعض التصريحات عن آداب الخطاب السياسي، يستدرج الشارع الى مواجهات إفتراضية على مواقع التواصل الاجتماعي تستخدم فيها كل أنواع الأسلحة بما في ذلك المحرمة أخلاقيا، وهو ما يتجسد اليوم بين القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر بعد دعوة رئيس التيار النائب جبران باسيل رئيس القوات سمير جعجع الى مناظرة علنية.
اللافت، أن دعوة باسيل تضمنت إتهامات بالكذب والخداع وقتل الناس لجعجع الذي لم يأخذ الأمر على محمل الجد وتعاطى معه بسخرية واصفا باسيل بأنه “رئيس جامعة الكذب”، فيما سارع إعلام القوات عبر شارل جبور الى إعتبار أن أي مناظرة مع الحكيم سترفع باسيل الى مصافه، في حين أنه اليوم في حالة إنهيار كاملة ولا يرقى حضوره السياسي الى حضور رئيس القوات، وذلك في محاولة قواتية للإساءة والتعاطي بدونية مع جبران باسيل الذي سبق وتعامل مع رئيس حزب الكتائب سامي الجميل بنفس الأسلوب عندما دعاه في العام 2018 الى مناظرة، رفضها وأكد أنه “غالبا ما تحصل المناظرات بين قيمتين سياسيتين ولن نعطي سامي الجميل أكثر من حجمه”!..
إذاً، ما مارسه باسيل في حق الجميل قبل ثماني سنوات عندما كان في عز قوته ونفوذه السياسي، يحاول جعجع أن يمارسه اليوم بحقه معتمدا النفوذ نفسه، في حين أن محاولات إجراء المناظرات في لبنان سواء بين مرشحين لرئاسة الجمهورية أو بين رؤساء تيارات أو وزراء أو نواب كلها كانت تبوء بالفشل، أولا لأن هذا النمط من المواجهات الاعلامية لا يستسيغه البعض خوفا من ردات الفعل في شارع تسيطر عليه الحساسيات السياسية وتحركه الغرائز، وثانيا بفعل فشل المناظرات في تغيير مزاج المحسوبين على هذا التيار السياسي أو ذاك، نظرا للإنتماء السياسي الأعمى الذي لا يفرق بين خطأ وصواب، حيث أن مناصري القوات سيرون جعجع في كل الحالات على حق، وكذلك الأمر بالنسبة لمناصري التيار تجاه باسيل، أما من سيحكم على المناظرة في حال حصولها فهم من مناطق وطوائف وتيارات أخرى لا يؤثرون في المعادلة الانتخابية بين القوات والتيار والقائمة على قانون هو الأسوأ في تاريخ الجمهورية اللبنانية.
رفض جعجع المناظرة مع باسيل سيجعل الحرب تستعر بين الطرفين خصوصا عشية الاستعداد للانتخابات النيابية، وهذا الأمر سيعزز الانقسام داخل المجتمع المسيحي الذي يدفع ثمن الصراعات بين القوات والتيار منذ عقود وهي مرشحة للاستمرار في ظل عدم التفتيش عن أية قواسم مشتركة تساهم في ربط نزاع أو في تغليب لغة العقل والسياسة على اللغة التحريضية الغرائزية التي قد تتفجر في أي لحظة مع تجاوز خطاب الطرفين كل الخطوط الحمر.
يمكن القول أن أخطر ما في المشهد الحالي بين القوات والتيار ليس الصراع السياسي بل تتامي الاتهامات واستسهال التنمر وتبسيط القضايا المصيرية وتحويل الشاشات إلى ساحات لتصفية الحسابات الشخصية، وإذا كانت القيادات السياسية غير قادرة على إدارة حوار علني حول ملفات كبرى، فكيف يمكن الوثوق بقدرتها على إدارة مرحلة وطنية شديدة الحساسية؟
دعوة المناظرة من أي طرف ومهما كانت دوافعها، تبقى اختبارًا للنضج السياسي، القبول بها لا يعني هزيمة، ورفضها لا يعني إنتصارا، لكن الهروب منها يطرح علامات استفهام مشروعة، وفي النهاية، الخيار ليس بين باسيل وجعجع فقط، بل بين ثقافة سياسية قديمة تتهرّب من المحاسبة، وفرصة ولو متأخرة للارتقاء إلى مستوى المسؤولية التي يستحقها المجتمع المسيحي خصوصا ولبنان بشكل عام.
غسان ريفي – سفير الشمال

