المراهقون في لبنان… ليسوا بخير

تكثر التحديات التي ترتبط بصحة المراهقين، ومعها تكثر المشكلات التي يتعرضون لها، على رغم ذلك، في معظم الأحيان لا تشكل صحة المراهق أولوية في استراتيجيات الدول، فتكون هذه الفئة من المجتمع مهملة إلى حد كبير. قليلة هي الدول التي تضع هذه الفئة ضمن أولوياتها، ونادراً ما تلقى رعاية متخصصة، إلا أن الأرقام الصادمة التي كشفتها الحملة الوطنية الأولى لصحة المراهقين تحت عنوان “إطلاق الترند الصحي للمراهقين” شكلت صفعة كما يصفها المعنيون، ودعت إلى التدخل بجدية لمنع تفاقم الأمور والمشكلات. بالاستناد إلى برنامج المسح العالمي لصحة الطلاب في المدارس اللبنانية، وبإشراف منظمة الصحة العالمية وبالتعاون مع وزارتي الصحة والتربية، أجري مسح شمل 51 مدرسة رسمية وخاصة، وتناول قرابة 3750 طالباً لاستطلاع آرائهم حول مجموعة من المحاور الأساسية المرتبطة بصحتهم، منها الصحة النفسية، والتدخين، وتعاطي الكحول والمخدرات، والسلوكيات، والعنف، والنظافة الشخصية، ونظراً إلى الأرقام الصادمة التي كشفها المسح، ما هو مؤكد أن التحديات التي يواجهها المراهقون في مختلف أنحاء العالم كثيرة، إلا أن الضغوط، خصوصاً تلك النفسية، أهم بكثير في لبنان على المراهقين كما على الراشدين.

فئة مهملة والأرقام مقلقة

صحيح أن صحة المراهقين تؤخذ نادراً بالاعتبار وقليلة هي الدول التي تضعها ضمن أولوياتها في سياسات الصحة العامة لديها، إلا أن الأرقام التي كشفها المسح في المدارس في لبنان دعا المعنيين، بالفعل، إلى دق ناقوس الخطر بحسب رئيسة الفريق التقني، مستشارة الأنظمة الصحية في منظمة الصحة العالمية إليسار راضي، علماً أن هذا المسح أتى في إطار دراسات تجريها منظمة الصحة العالمية كل خمسة أعوام في مجال الصحة المدرسية، وتظهر تسعة عوامل أو ممارسات خاطئة للمراهقين من عمر 13 سنة ويمكن أن تؤثر في صحتهم أو حياتهم لاحقاً كراشدين، وقد اعتبرت أن ثمة اعتقاداً خاطئاً بأن هذه الفئة من المجتمع لا تحتاج إلى اهتمام خاص وتركيز في السياسات، فعادة، تتركز البرامج الصحية على الأطفال والمسنين وغيرهم، ونادراً ما يجري التركيز على المراهقين، أما الأرقام التي ظهرت حالياً فكانت مقلقة فعلاً بالمقارنة مع دراسات سابقة أجريت، وقد كشفت أن نسبة البدانة بلغت 32 في المئة بين المراهقين على مستوى المدارس الرسمية والخاصة، أما مشكلات النوم، فتطاول نسبة 63 في المئة من المراهقين وهم ينامون بمعدل أقل بكثير من ثماني ساعات، مع ما لذلك من انعكاسات على قدراتهم الذهنية ونتائجهم المدرسية، وعلى مستوى العنف بين الأطفال أو التعنيف الذي يتعرضون له، نسبة 46,4 في المئة من المراهقين في المدارس لجأت إلى العنف في شجارات بينهم، ومنهم نسبة 44,9 في المئة تعرضت لإصابات استدعت رعاية طبية، أما التنمر فتظهر الأرقام أنه في ازدياد مقلق، فنسبة 32 في المئة من المراهقين في المدارس تعرضت للتنمر المباشر. وعلى مستوى السلامة الشخصية، نسبة 73 في المئة من المراهقين لا تستخدم حزام الأمان وما من وعي حول أهميته.

لكن، بدت الأرقام المرتبطة بالصحة النفسية الأكثر خطورة، إذ أظهرت أن نسبة 62,4 في المئة من المراهقين نقلت شعوراً بأن الصحة النفسية ليست بخير، على رغم كونهم في سنّ مبكرة، كذلك بدا لراضي أن الأرقام التي تتعلق بالانتحار صادمة بصورة خاصة، وأظهرت أن نسبة 17,8 في المئة من المراهقين راودتهم أفكار انتحارية، ونسبة 21,6 في المئة منهم خططوا للانتحار، في وقت نسبة 13,8 في المئة من المراهقين حاولوا الانتحار ولم ينجحوا في ذلك، فكانت أرقاماً مرعبة بالفعل لهذه الفئة العمرية.

كذلك يبدو لافتاً أن نسبة 21 في المئة من المراهقين جربت الكحول ومعدل الثلثين منهم جربوا الكحول قبل سن 14 سنة، سواء في المدارس الرسمية أو الخاصة، كذلك فإن معدل الثلث يستهلك الكحول بانتظام، ونسبة 41 في المئة منهم تستهلك أكثر من كأسين في اليوم.

كذلك فإن الأرقام المتعلقة بالمخدرات صادمة أيضاً لأن نسبة 16 في المئة من هؤلاء الطلاب جربت المخدرات في وقت من الأوقات، لكن نسبة 25 في المئة من هؤلاء استهلكت المهدئات، مما يؤكد أن هؤلاء يحصلون على هذه المواد من منازلهم، كذلك تصل نسبة المدخنين بين المراهقين إلى 28,9 في المئة وهم من طلاب المدارس الذين بدأوا التدخين قبل سن 14 سنة.

وعلى مستوى النشاط الجسدي، كان مفاجئاً في المسح أن نسبة 80 في المئة من المراهقين لا تمارس أي حركة أو نشاط جسدي ولو لمدة ساعة في الأقل في اليوم، ونسبة 62 في المئة تمضي ثلاث ساعات متواصلة في الأقل أمام شاشة التلفزيون.

بالاستناد إلى هذه الأرقام، أدرك القيمون على الصحة العامة أن من المتوقع لهذا الجيل من المراهقين أن يواجه كثيراً من المشكلات الصحية مثل ارتفاع الضغط والسكري والسمنة والسرطان وأمراض المفاصل واضطرابات نفسية وإدمان ومشكلات عقلية وذهنية، ما لم يحصل تدخل جدي لمنع تطور الأمور عبر التوعية وتحفيز الأطفال على الممارسات الصحية.

وتفضل راضي عدم تحميل جهة معينة المسؤولية هنا، “إلا أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية وسيطرة وسائل التواصل الاجتماعي والعالم الوهمي حيث يعيش الأطفال، والخلل في الرقابة على صعيد المؤسسات والدولة، وغيرها من العوامل التي تسهم في ما يحصل، في وقت من المفترض أن تشكل المدارس بيئة صحية للأطفال، ويمكن اتخاذ إجراءات عدة لتدارك الوضع بدءاً من التركيز على ممارسة الرياضة فيها والتشجيع على ممارسة الأنشطة”، وأضافت “هناك إجراءات عدة يمكن اتخاذها ولا يتطلب كلها تخصيص مبالغ كبرى لها، بل تتطلب إرادة للتغيير حرصاً على تأمين مستقبل أفضل لهؤلاء الأطفال. إنما أيضاً تعتبر الاستراتيجية الوطنية حاجة ملحة إلى وضع المراهقين ضمن الأولويات، إلى جانب ما ستكون هناك من خطوات في المناهج المدرسية الجديدة لتكون وسيلة لنشر الوعي بين الطلاب أيضاً، ويجب ألا ننسى أيضاً دور الأهل لأن التحول الاجتماعي الخطر الذي يحصل هو أيضاً تهديد حقيقي”.

أما على مستوى الصحة النفسية فيعلم الجميع أن الضغوط كثيرة في لبنان على المراهق وهذا ما يجب أن يؤخذ في الاعتبار لتحصينه وتجنب تفاقم الأمور، وهنا تقع المسؤولية على الأهل والمجتمع والمعنيين للحد من الضغوط النفسية.

كارين اليان ضاهر – اندبندنت

Leave A Reply