فراس خليفة -الأخبار
بعد أكثر من عام على «انتهاء» الحرب، تسعى مدينة صور إلى استعادة بعض من عافيتها عبر إطلاق مجموعة من المبادرات المجتمعية الأهلية، في انتظار البدء الفعلي بإعادة إعمار نحو 50 مبنى سكنياً دُمّرت بشكل كامل في أحياء المدينة المختلفة.
في الحرب الأخيرة، أعادت مشاهد «أحزمة النيران» غير المسبوقة إلى الأذهان تاريخ صور في مواجهة الحملات العسكرية والاحتلالات المتعاقبة، وسلّطت الضوء على خصوصية المدينة التي تعمَّد العدو ضربها وإلحاق الأذى المادي والمعنوي والنفسي بسكّانها. هنا بعض المشاهدات والقصص التي تختلط فيها مشاعر الحزن بالإصرار على النهوض والتعافي، وتعكس روح المدينة وعزيمة أهلها على مواجهة التحديات واستعادة حياتهم.
«قرية ميلادية» في مدينة العيش المشترك
لا تُميّز ابنة السنوات الثلاث بين أصوات الألعاب النارية التي دوّت فجأة وأصوات الحرب التي اعتادت سماعها خلال السنتين الماضيتين. الطفلة، القادمة مع والدها من إحدى قرى قضاء صور عشية أعياد الميلاد لزيارة «القرية الميلادية»، سرعان ما اكتشفت أن هناك ما يدعو للفرح في المكان الذي تُنظّم فيه هذه الفعالية للمرة الأولى.
بلدية صور التي نظّمت «السوق الميلادي»، بمشاركة ودعم من جهات وشركات تجارية، خصصت مساحة كبيرة للأنشطة والعروض الفنية للأطفال إدراكاً منها لحجم الضَّرر النفسي الذي لحق بهؤلاء في سَنَتَيْ الحرب الأخيرتين. على طول الشارع الممتد بين «ساحة القسم» ومبنى السراي القديم قبالة مرفأ الصيادين، عاش الآلاف من أبناء المدينة وقرى قضائها ومناطق أخرى، على مدى 12 يوماً، تجربة التجوال في مكان مفتوح يجمع الناس بعارِضِي الأعمال الحرفية والبيتيّة و«خيرات» القرى الجنوبية، إضافة إلى العروض المسرحية والموسيقية.
علوان شرف الدين، نائب رئيس المجلس البلدي، أكّد أنّ الأجواء الميلادية ليست أمراً طارئاً على المدينة «المعروفة بالتعايش الحقيقي بين مكوّناتها»، لكن «القرية الميلادية» التي تُنظَّم للمرة الأولى، «تكتسب أهمية كبيرة بعد الحرب والثمن الكبير الذي دفعته المدينة وأهلها. نحاول أن ننفض غبار الحرب لنؤكد جدارتنا بالحياة، وبالتوازي تحريك العجلة الاقتصادية في المدينة». ويلفت شرف الدين أن «القرية الميلادية» ستكون فاتحةً لمبادرات ومشاريع أخرى، إذ ستُطلِق البلدية قريباً «لجنة إنماء مدينة صور»، بالتعاون مع عدد من المغتربين ورجال أعمال، لتعزيز موقع صور على الخارطة السياحية اللبنانية.
وتقول ألين برادعي، إحدى الناشطات الرئيسيات في الجهة المنظمة، إن الهدف الأساسي من «القرية الميلادية» هو تسليط الضوء على المدينة «التي تمتلك من التراث والثقافة والحضارة ما يكفي لأن تكون رائدة»، لافتة إلى أن هناك توجّهاً لجعل صور مدينة جاذبة في كل الفصول والمواسم وليس فقط في فصل الصيف.
عشرات المباني تحوّل بعضها إلى مواقف سيارات مؤقتة ريثما تنطلق عجلة إعادة الإعمار
الغارة الأولى… عَوْدٌ على بدء!
في الجهة الغربية للمدينة، خلف المبنى القديم للمدرسة الإنجيليّة الذي تستخدمه مديرية الآثار حالياً، يقود صوت الورشة تلقائياً إلى منزل آل السّمرا حيث وقعت الغارة الأولى على صور والوحيدة في الحارة القديمة في 28 أيلول 2024. منذ نحو شهرين، بدأ وسام بورشة إعادة بناء بيته الذي دمّرته إسرائيل وقتلت فيه 11 من أفراد عائلته. لم يصغِ كثيراً لمن نصحوه بإرجاء العمل ريثما تتّضِح «صورة الأوضاع» في المرحلة المقبلة. يقول: «لأيمتى بنطر؟ وين بروح؟ معي هلّق قرشين من تعويضات الأضرار بعمِّر فيهن أحسن ما يروحوا عالأجار».
من على سطح البناء تظهر الأضرار التي لحقت في البيوت الملاصقة لمنزل وسام، وبينها بيت تراثي لآل جرجوعي وآخر لآل سكيكي. نحو 13 منزلاً مجاوراً للبيت المستهدف لحقت بها أضرار كبيرة أو متوسّطة. «كلّهم ولاد صُوْر أبّاً عن جِد». يستعيد الرجل المولود في عام 1973 بعضاً من اللحظات التي قلبت حياة العائلة إلى الأبد: «كانت السّاعة قرابة الرابعة من عصر يوم السبت، اليوم الذي أُعلِن فيه استشهاد السيد حسن. كانت العائلة مجتمعة على الغداء رغم الحزن الكبير الذي تسبّب به خبر استشهاده. كان الغداء سمكاً، وتحديداً بوري وسردين.
كنّا أنا وزوجتي قد دخلنا للتو إلى بيتنا. وكان أهلي وإخوتي وبعض من أفراد عائلاتهم قد بدأوا تناول الطعام في بيت الجد الملاصق. كان شيئاً أشبه بانفجار مُحوِّل كهربائي في المنزل». لم يستوعب الرجل ما حصل أول الأمر. خرج مع زوجته ليعود سريعاً إلى مكان الغارة حيث استُشهد كل من كان في بيت الأهل: الأب والأم والأخ الأكبر عصام وزوجته والأخ الأصغر إسماعيل وزوجته وابنتهما سيليا وشقيقته ريما وابنة أخته، إضافة إلى إحدى قريباتهم في بيت مجاور وجارة في البيت المقابل.
يقول بمرارة إن الاختصاصي النفسي ينصحه بأن يحاول النسيان، وأن «أبَعِّد الصورة وأقرِّبها»، بلغة أهل الاختصاص. ولكن «شو بدّي إنسى؟ شو بدّي بعِّد وقرِّب؟». يقول إن عادات كثيرة تغيّرت بعد المجزرة، «تخيّل في أصناف من الأكل ولادي ما عاد ياكلوه لأن كانت ستهن تعملّن ياه. السّمك مثلاً ما عاد نفوّتوا عالبيت»، وهذا ليس تفصيلاً في عائلة السمرا «البحريّة» بامتياز.
فسيفساء المدينة
بعض شظايا الغارة الإسرائيلية على منزل آل السَّمرا وحجارتها وصلت إلى حديقة «كنيسة اللاتين» القريبة وأصابت ثلاثة أطفال نازحين بجروح طفيفة. أثناء الحرب، فتحت كنيسة «مار أنطونيوس البدواني» أبوابها لنحو 172 نازحاً من قرى القضاء وعدد من عائلات المدينة. «هيدي تعاليمنا وهيدا تاريخنا وهيدي صور»، يقول الأب توفيق بو مرعي، رئيس الدير وكاهن جنوب لبنان للاتين، مذكّراً بحادثة معروفة لدى سكان المدينة حصلت إبان الاجتياح الاسرائيلي عام 1982 عندما آوى «أبونا لوقا» المصري عدداً من الفلسطينيين داخل الدير وأغلق مداخله في وجه الإسرائيلي.
عشية الميلاد، استضافت الكنيسة «ريسيتال» لكورال تلامذة «ثانوية البرج الدولية» الذين جاؤوا من بيروت. وبين حين وآخر، يفتح الأب بو مرعي أبواب الكنيسة لفعاليات كشفية وروحية إسلامية، ويقول الرجل: «التنوع أمر جميل وضروري في المجتمع، والأهم أن نتعلم كيف نحترم هذا التنوع». خلال ورشة لتعليم عدد من أبناء المدينة تركيب الفسيفساء في باحة الكنيسة، سألهم بو مرعي: «إذا كانوا الحجار نفس اللون ونفس الشكل، وين اللوحة؟».
فضُّول عسّاف لم يغادر حارته
على مسافة غير بعيدة من كنيسة «سيّدة البحار» في الحارة القديمة، لا تزال ورشة تصنيع مراكب الصيد في مكانها، حيث يكمل المهمَّة أبناء الراحل إيليا بربور بعد وفاته قبل سنوات. تكاد تكون المراكب المركونة في الميناء التاريخي لصور جزءاً أصيلاً من هوية المدينة البصرية والاجتماعية، وحيث يشكّل «البحريّون» مجتَمَعاً قائماً بذاته.
بالقرب من شجرة زيتون، عُلّقت صورة للشهيد فضل الله عسَّاف ورفيقه أنطونيو كيّال اللذين استُشهدا في الحرب الأخيرة في محلّة البص عند مدخل صور الشمالي. كان عسّاف «بحريّاً»، قبل أن يلتحق بوظيفة في أحد المراكز التجارية في المدينة منذ 17 عاماً، لكنه بقي محافظاً على صلته بالبحر وصيد السمك بين الحين والآخر. مريم شاهين زوجة الشهيد «فضُّول»، كما يُتدَاولُ باسمه، بدأت بعد مرحلة اكتئاب حاد تعود بشكل تدريجي إلى «حياتها العادية»، رغم أنّ رحيله شكّل صدمة كبيرة لها ولأولادها الثلاثة، سارة وكاتيا ويوحنّا، كما لكلّ أهل الحارة. كان يوم الأحد الأخير قبل وقف إطلاق النار.
صعَّد العدو حينها من استهداف الدرّاجات النارية في المدينة. وبفارق زمني قليل، استهدف أولاً دراجة قرب البلدية ومن ثم درّاجتين في موقف السيارات قرب مدخل السوق التجاري. وبعدها جاءت غارة البص عند المدخل الشمالي التي أدت إلى استشهاد 6 مواطنين بينهم عسّاف وكيّال. في ذلك اليوم كان «فضّول» قد جهَّزَ لـ«عزيمة سمك» كبيرة لكل أصدقائه ومن تبقّى في الحارة، «يعني الحارتين، المسيحية والإسلام»، توضح مريم. «خلال فترة الحرب تعزّزت العلاقة بينه وبين ابن حارته الشاب أنطونيوس كيال المعاون في الجيش رغم فارق السن بينهما». في يوم شهادتهما جاء الأخير من «الخدمة»، سأل عن فضّول ولحق به سريعاً. «كان قدره أن يموت معه». تقول مريم إنَّ زوجها بقي طوال فترة الحرب في صور. «كان لديه شعور أن إسرائيل لن تستهدفه لأنه مسيحي. الأصح، أن هذا ما تريد إسرائيل أن تعزّزه في أذهان الناس».
مضت 26 سنة على زواج مريم المسلمة من فضل الله المسيحي. «حبّينا بعض مع إنو الأهل عارضوا أول شي متل كل القصص المشابهة». لك «الأساس هو المعاملة، وهذا هو جوهر الدين، والباقي تفصيل».
مسارات التعافي تبدأ… لا تبدأ؟
قبل ساعة ونصف ساعة من سَرَيان وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، استهدفت الغارة الأخيرة على صور مبنىً سكنياً مؤلَّفاً من ثلاث طبقات قرب مطعم أبوديب في حي الرّمل جنوب غرب المدينة. بعد سنة وشهر على ذلك اليوم، لم تنتهِ تماماً أعمال الترميم في الأبنية المجاورة له كما في أحياء أخرى من المدينة. ما أُنجِزَ فعلياً هو رفع ركام المبنى المدمّر الذي صار «بورة»، أسوة بعشرات المباني الأخرى التي تحوّل بعضها إلى مواقف سيارات مؤقتة ريثما تنطلق عجلة إعادة الإعمار الفعلية.
في مقهى صغير قريب من مبنى «القرض الحسن» الذي أُعيد ترميمه وافتتاحه، دار حديث بين عدد من وجوه المدينة حول التأخير في الإعمار وملف التعويضات والتعافي. يشيد هؤلاء بالمبادرات المحلية لإنعاش المدينة. يتحدثون بإيجابية عن حملة «مطاعم الجواد» لتشجير المدينة وإنارة جزء من شوارعها وتأهيل بعض الأرصفة. تكمن أهمية المبادرة في أنها حَفَّزت جهات «صُوريّة» أخرى على المبادرة. وفي حين يتركّز مجهود بلدية صور، والقوى السياسية الرئيسية في المدينة، على متابعة ملف دعم النازحين من أبناء القرى الحدودية لقضاء صور، يصبح أيُّ حديث عن التعافي بمعناه الشامل بعيداً عن الواقع.
فعملية التعافي مسألة معقّدة ومركّبة من طبقات متعددة خدمية واجتماعية ونفسية، وشرطها الأول توقّف الاعتداءات الإسرائيلية بشكل نهائي و«الإفراج» عن ملف شائك وكبير بحجم إعادة الإعمار. في تموز الماضي عقدت جمعية «أشغال عامة» بالتعاون مع المجلس البلدي في المدينة ورشة عن «سبل التعافي في مدينة صور»، من ضمن سلسلة من الورشات المشابهة في عدد من المناطق التي تعرضت لاعتداءات إسرائيلية، وخلصت إلى أن «إعادة الإعمار ليست ترميماً فحسب، بل فعل مستدام في إمكانه ترسيخ العودة وإعادة لمّ شمل النسيج الاجتماعي وإحياء الصلات بالأرض والذاكرة».

