بينما تتسارع الاتصالات الدولية حول الملف اللبناني، يستعد لبنان لمحطات أساسية خلال الأيام المقبلة، أبرزها اجتماع “الميكانيزم” في 19 الجاري، الذي يُعقد في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية جنوبًا، ما يطرح علامات استفهام حول جدوى المسار التفاوضي ومدى قدرة الجانب اللبناني على فرض شروطه.
وفي موازاة ذلك، ينعقد مؤتمر باريس لدعم الجيش اللبناني، وسط ضبابية تحيط بالمساعدات المحتملة وشروطها، وعودة الحديث عن إعادة تفعيل خدمة العلم لسدّ النقص العددي داخل المؤسسة العسكرية.
لكن اللافت، كما يكشف رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات، العميد الركن الدكتور هشام جابر، هو التباين المستجد بين الموقفين الأميركي والإسرائيلي في مقاربة الوضع اللبناني، لا سيما في ما يتعلق بمصير السلاح جنوب الليطاني، في وقت تشهد العلاقة بين واشنطن وتل أبيب توترًا متصاعدًا على خلفية الأداء الإسرائيلي في غزة وعدم التزام نتنياهو بخطة ترامب، ما قد يفتح كوة في جدار الأزمة اللبنانية.
وقد قدّم جابر قراءة شاملة لمجمل هذه الملفات، وأضاء على خلفياتها وتداعياتها المحتملة، مشيرًا بداية إلى أن المسار الأميركي بدأ يبتعد تدريجيًا عن المسار الإسرائيلي، خصوصًا في ما يتعلق بلبنان.
وقال إن معلومات وردت من واشنطن تفيد بأن الولايات المتحدة تركّز في هذه المرحلة على نزع السلاح في جنوب الليطاني فقط، من دون الإصرار على الشمال، ما يعكس تباينًا واضحًا مع الموقف الإسرائيلي. وأضاف أن ما حصل في غزة شكّل، في نظر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إهانة شخصية له بعد تجاهل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لخطة غزة التي أُعلنت على مستوى دولي، في وقت ازدادت فيه معاناة القطاع رغم تسليم الأسرى والجثث.
وأشار جابر إلى أن نتنياهو، الذي يتحضّر لزيارة واشنطن، بات يشعر بأنه أغضب ترامب، وهناك محاولات لاحتواء هذا التوتر. وهو ما قد ينعكس إيجابًا على لبنان، لأن الإدارة الأميركية لا ترغب في توسيع الحرب لتشمل الساحة اللبنانية.
واعتبر جابر أن اجتماع لجنة “الميكانيزم”، المقرر عقده في 19 كانون الأول، يشكّل استكمالًا للجولة السابقة التي ترأسها السفير سيمون كرم، مؤكدًا أن هذا الاجتماع يجب أن يتخطى الطابع التقني، ويشكّل فرصة للبنان لتثبيت موقفه الرافض للمعادلة الإسرائيلية التي تفصل بين التصعيد العسكري والمفاوضات الدبلوماسية.
وقال: “فرنسا أبلغت لبنان أن إسرائيل تعتمد هذا المبدأ، حيث تواصل اعتداءاتها في وقت تجري فيه مفاوضات غير مباشرة”، مشددًا على أن هذا الأمر “غير مقبول”، لأن “العرف الدولي ينصّ على أن بدء المفاوضات يقتضي تهدئة أو وقفًا للأعمال العسكرية”.
ودعا الدولة اللبنانية إلى اتخاذ موقف واضح خلال الاجتماع، مفاده أن “لا مفاوضات في ظل استمرار الاعتداءات”، معتبرًا أن فرض هذا المبدأ يشكّل إنجازًا يجب السعي إليه.
وفي ما يتعلق بما جرى مؤخرًا في بلدة يانوح، رأى جابر أن الحادثة “ما كان يجب أن تحصل أو تأخذ هذا الحجم من الضجة”، لافتًا إلى أن دخول المنازل، خاصة في حال وجود سكانها، مسألة حساسة وتستوجب التعاطي معها بروية وتفهّم.
وحذّر من أن التعديل المقترح على مهمة اليونيفيل لتشمل دخول المنازل بمرافقة الجيش اللبناني “أمر صعب التطبيق، وقد يؤدي إلى خلق توتر إضافي بدل تهدئة الأوضاع”.
واعتبر أن “ما حصل في يانوح كان يمكن معالجته بهدوء، ولا يجب أن يتكرر، لأن التصعيد في مثل هذه الحالات يُضرّ بالعلاقة بين الأهالي والقوات الدولية”.
ورأى جابر أن مؤتمر باريس المرتقب لدعم الجيش اللبناني “ليس الأول، وقد لا يكون الأخير”، مشيرًا إلى غياب المؤشرات الواضحة حتى الآن بشأن حجم المساعدات وآلية تقديمها.
وأوضح أن الدول المانحة عادةً ما تضع شروطًا دقيقة، ليس فقط على صعيد الإصلاح، بل أيضًا على صعيد الشفافية، خصوصًا في ما يتعلق بوجهة الأموال وكيفية صرفها، متسائلًا: “هل ستُسلّم هذه الأموال مباشرة للجيش؟ أم تمرّ عبر الحكومة أو وزارة المالية أو مصرف لبنان؟”. وأضاف: “المانحون يريدون معرفة: ثمن ماذا؟ سلاح؟ عتاد؟ خدمات؟”.
وشدد جابر على أهمية تزويد الجيش بالسلاح النوعي، مشيرًا إلى أن “الجيش اللبناني أثبت كفاءة عالية، لكنه يفتقر إلى قدرات دفاعية جوية وبحرية، ما يجعله عاجزًا عن التصدي لأي عدوان جوي، خصوصًا من إسرائيل التي تحتفظ بتفوّق جوي مطلق”.
وختم قائلًا: “بالنسبة لمؤتمر باريس، علينا الانتظار، لكن أي دعم قادم يبقى أفضل من لا شيء، لأن الجيش بأمسّ الحاجة لكل أشكال الدعم، عسكريًا ولوجستيًا”.
خدمة العلم
وأكد جابر أن إلغاء خدمة العلم عامي 2004 و2005 شكّل “خطأً كبيرًا”، مشيرًا إلى أنه تم “إكرامًا لبعض السياسيين الذين خضعوا لضغوط من فئة أرستقراطية لا تريد لأبنائها الانخراط في الجيش”.
ورأى أن خدمة العلم كانت ترفد الجيش بآلاف المجندين سنويًا، يدخلون في بوتقة وطنية موحّدة ويغذّون الروح والمؤسسة، مشددًا على أن إعادة تفعيلها باتت ضرورة وطنية، لا مجرد حلّ عددي، وأن “لو استمر تطبيقها، لكانت ساهمت في الحدّ من الانقسام العمودي القائم اليوم بين فئات الشباب”.
واعتبر جابر أن كلام نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم “متوقّع ولا يحمل مفاجآت”، موضحًا أنه يأتي في سياق “رفع المعنويات داخليًا وتوجيه رسالة ردع لإسرائيل”، وبالتالي “لا يجب النظر إليه بسلبية”.
وأكد جابر أن حزب الله وافق مبدئيًا على حصر السلاح بيد الدولة، لكن الإشكالية تكمن في التفاصيل، وفي غياب استراتيجية دفاعية واضحة، مضيفًا: “تأخرنا كثيرًا، لكن أن نصل متأخرين خير من ألا نصل”.
وأشار إلى أن عملية تسليم السلاح يجب أن تُراعى فيها الهواجس الأمنية للحزب، خصوصًا مصير السلاح الثقيل، متسائلًا على لسان الحزب: “هل هناك ضمانة بألا تدمر إسرائيل هذا السلاح؟ أو تشن عدوانًا شاملًا بعد تسليمه؟ ومن يملك الجواب؟”.
وختم جابر بالتأكيد أن “أي حل يبدأ بوقف الاعتداءات وبناء الثقة، ووضع خطة مرحلية مضمونة تسمح بمعالجة الملف تدريجيًا وبمسؤولية وطنية”.
المدى

