رواية لن ينقطع الوتر لأحمد دهيني
رواية تُسمع بالقلب وتتلى كما تُتلى صلاة الصاعدين من تحت الرماد.
بقلم الكاتبة علوية هاشم
حين نفتح رواية «لن ينقطع الوتر» للكاتب والموسيقار أحمد دهيني، نشعر أنّنا لا نقرأ كتابًا… بل نستمع إلى لحنٍ يُعزَف على أوتار الروح.
هذه الرّواية ليستْ حكاية عن موسيقيّ أو عن مدينةٍ إيطاليةٍ غارقةٍ في الضوء، بل عن الإنسان نفسه — عن ذلك الكائن الذي يتكسّر ثم ينهض، الذي يخسر كل شيء ما عدا صوته الداخليّ، وتره الذي لا ينقطع.
تبدأ الرواية بسقوطٍ… حادث سيرٍ بسيط في الظاهر، لكنه سقوط الوعي في نفسه.
تخرج روح البطل «لورينزو» من جسده، فترى المدينة من علٍ: مدينة جميلة الملامح، لكنّها مفكّكة القلب.
وحين يعود إلى الحياة، يدرك أنّ العالم من حوله تحكمه جمعياتٌ سرّية، وآلات ضخمة، ونظامٌ بلا روح.
لكنّه، في قلب هذه الفوضى، يتمسّك بوتره، يتمسّك بموسيقاه، كمن يتمسّك بخيط الضّوء في آخر النّفق.
الوتر هنا ليس مجرد صوتٍ أو آلةٍ موسيقية؛
إنّه رمز الوجود الإنسانيّ نفسه.
حين ينقطع الوتر، ينقطع الحلم، وحين يبقى، تبقى فينا شرارة الإرادة، ونسمة الأمل.
وكأنّ الكاتب يقول:
«لن ينقطع الوتر:
لا وتر الحبّ،
ولا وتر الرحمة،
ولا وتر العدل،
ولا وتر الجمال إلى أن ينقطع النّفس، ولن ينقطع النّفس.»
بهذا الإيقاع، يكتب أحمد دهيني روايةً تُغنّي بدل أن تسرد، وتفكّر بدل أن تشرح.
يجعل من الموسيقى لغةً فلسفيةً للنّجاة، ومن الفنّ سبيلاً للمقاومة في وجه عالمٍ يفقد إنسانيته شيئًا فشيئًا.
فالموسيقى في الرّواية ليست ترفًا… بل مقاومة ناعمة، صلاة من نغم، فعلُ حبٍّ ضدّ القسوة.
نحن في هذا النص أمام كاتبٍ موسيقيّ لا يصف النغمة، بل يكتب بها.
جمله الطويلة تمتدّ كأنها نفسُ عازفٍ يتنقّل بين الحزن والأمل،
كأن اللغة نفسها قد أصبحت آلةً تعزف لحنًا عن الحرية والكرامة.
في «لن ينقطع الوتر»، تتقاطع الموسيقى مع الفلسفة، والفنّ مع الأخلاق، والجمال مع العدالة.
وحين تعجز المدن عن أن تمنحنا وطنًا،
وحين يعجز الحبّ عن الانتصار للعدل،
وحين تتكسّر الآلات من حولنا،
يبقى في داخلنا وترٌ صغير، خفيّ، يُصدر صوته الهادئ: “لن أنقطع… لن أنطفئ.”
هذه الرواية ليست عن إيطاليا فقط، بل عن كلّ مدينةٍ جميلةٍ من الخارج، منهكةٍ من الدّاخل.
وليست عن لورينزو فقط، بل عن كلّ إنسانٍ فينا يحاول أن يعزف لحنه الخاص وسط ضجيج العالم.
في النّهاية، حين نغلق الكتاب، نشعر أنّنا خرجنا من حكايةٍ موسيقيةٍ عن القيامة:
قيامة الفنّ على الصّمت،
قيامة الرّوح على الرّكام،
قيامة الإنسان على كلّ ما يحاول أن يقطعه عن نفسه وعن الله.
ولذلك، فإن «لن ينقطع الوتر» ليست مجرد رواية تُقرأ،
بل نصّ يُسمع بالقلب، ويُتلى كما تُتلى صلاة الصاعدين من تحت الرماد.
شكراً لأحمد دهيني،
لأنه ذكّرنا بأنّ الحرف يمكن أن يعزف،
وأن اللّحن يمكن أن يكتب،
وأن فينا دومًا، مهما اشتدّ الليل… وترًا لا ينقطع.
الكاتبة والشاعرة
علوية هاشم
