التضليل الاعلامي وسياسة التجهيل ! الميديا في تصرف سياسات السلطة الجائرة

د. أنطوان يزبك

في مقابلة أجراها الكاتب جان فرانسوا مارميون مع عملاق الميديا ريان هوليداي مدير شركات التسويق و الكاتب في صحيفة( نيو يورك اوبزرفير )Newyork Observer، صرّح هذا الأخير أن وسائل السوشيال ميديا غير مأمونة ، و هي تستعمل للتضليل والكذب والتسويف من أجل جرّ الرأي العام الى التفكير بطريقة معينة و مؤطرة و غسل عقول الناس و تغطية صفقات سياسية و اقتصادية كبرى ، تضرّ بالمواطن والوطن و مستقبل الناس العاديين و ترمي بهم في الحفرة من أجل مصالح أقطاب و زعماء العالم الشخصية ، والمشكلة أن الجماهير متروكة لذاتها، ولا من حسيب أو رقيب ..

كان ريان هوليدي قد ألف كتابا في بداية القرن ال21 عنوانه :

“صدقوني أنا أكذب عليكم ” ، نعم وبكل بساطة ، عالج فيه الكاتب المخضرم العديد من المواضيع ، و من أهمها أن غالبية الصحفيين في الولايات المتحدة يعمدون الى استقصاء مصادر معلوماتهم من الانترنت والبلوغات المتوفّرة بغزارة و على المواقع الإخبارية و الإعلامية التي من المستحيل التأكد من مصداقيتها .

هكذا صار عمل الصحافة في أيّامنا من أجل الاستحصال على الأخبار و المعلومات من دون التأكد من الذي يقف وراءها .

 ومن المؤسف أيضا أن الكل يعلم أن معظم هذه المواقع لا تعتمد على المصادر الموضوعيّة الموثوقة ولا يمكن أن يثق بها القارئ في كل الأحوال ، ولكن القطار يمشي دون هوادة .

كما يضيف الكاتب أن زمن الصحافة العريق قد ولّى ، مثل زمن صحيفة نيويورك تايمز التي عمّرت 100 عام ، و قد أصبح عمل الصحافي الوحيد هو خلق الإثارة و الخوارق من أجل حصد العائدات والمكاسب الماليّة من شركات الدعاية ، لقد أصبحت الصحافة موبوءة بالتزوير والأخبار المختلقة المركّبة مثل البازل ، هذا ما دفع برجال السياسة الى إنفاق الملايين لبث المعلومات المزيّفة والمغلوطة المختلقة كيفما اتفق ، من خلال( التويتر سابقا ) [ منصّة إكس حاليا ]، والهدف كما قلنا سوق المجتمع الى حيث يريد زعماء السياسة هؤلاء تبعا لمصالحهم ، في كل أنحاء العالم ، يسيطر المتسلّطون الذين يقبضون على مصائر الشعوب ، من أجل التلاعب بالحقيقة وخلق مفاهيم و قيم جديدة و أنماط عيش و أذواق و حتى إعادة اختراع الدين (الدين الإبراهيمي الجديد ) وإعادة كنابة التاريخ من أجل معركة اقتسام العالم في صراع الإمبراطوريات المتوحشة .

وباختصار نستطيع أن نستنتج ما آلت إليه طريقة عمل حكومات العالم و سلطاتها السياسية في زمننا الحالي :

استبدال القمع و إرهاب النّاس والمعارضة بالتصفية المباشرة ، بالتضليل الإعلامي وإغراق الجماهير بالأخبار الجانبية التافهة و التي لا تقدم ولا تؤخّر حتى تمرّ الصفقات و الاتفاقات في الكواليس السريّة على ظهر الشعوب الغائبة عن الساحة و “السكرانة ” بأوهام الميديا .

و للأمانة التاريخية لا بدّ لنا من أن نذكر أن حكّام العرب استعملوا مثل هذه الوسائل الإعلامية التضليلية في القرن الماضي ، و كم من مرة كان الرئيس المصري جمال عبد الناصر ومن بعده الرئيس أنور السادات ، يسكرون الشعب المصري بأفلام الدراما المصرية الطويلة و مواضيع الحب والغرام و فضائح الفنّانين و قصص الزواج والطلاق التي تتناولها الصحافة الصفراء بينما البلاد تعيش أزمات ماليّة واقتصاديّة وتهديدات خطيرة ، يعمد جهاز المخابرات المصرية على طمسها من خلال تسهيل هروب سجين نصّاب و محتال كبير لتضجّ الصحف والجرائد بأخباره ، فيضلل الشعب عن المشكلة الأساسية و الأخطار المحدقة بالبلد ،و أيضا من أجل تخدير صراخ البطون الجائعة .

في لبنان أيضا أيام حكم الرئيس فؤاد شهاب من سنة 1958 الى سنة 1964 وكان تلفزيون لبنان في بدايته منذ اوائل الستينات ، حين اشتهرت حلقات ابو ملحم على التلفزيون ، أخبرني أحد المستشارين في القصر الجمهوري أن فؤاد شهاب حين كان يريد إلهاء الناس عن أحداث مهمة و مصيرية ، يرسله إلى ابي ملحم وينقده مبلغ 500 ليرة لبنانية آنذاك، و يقول له بدي منك حلقة بتبكّي الحجار و الناس على جمعة !

فيقوم أبو ملحم ويضع سيناريو حلقة تلفزيونية مبكّلة ، حيث الإبن العقوق يبتزّ والدته الأرملة وحتى أنه يحاول ضربها ، و يأخذ مالها ليبذّره على موائد القمار وتأتي الأم شاكية باكية إلى أبي ملحم تشكو له أخلاق إبنها الرديئة ، فتبكي أمامه تنتحب فتبكي معها كلّ أمّهات لبنان . ينشغل الناس بما يعرضه التلفزيون دون ان يدركوا ما يحصل في أروقة قصر الحكم والمشاكل السياسية .أمّا اليوم فقد أخذت وسائل السوشيال ميديا هذه السيرة و هذا الدور : التلهّي بقشور الميديا وفبركات الإعلام في حين أننا نخوض أخطر مرحلة في تاريخنا وقد علقنا في حياض لحظات الفناء و سكرات الموت كما عصفور علقان على قضيب الدبق ، بسبب الضمائر المباعة والإعلام الساقط المأجور !

ختاما لابد لي من أن أذكر بعض مما جادت به مدرسة فرانكفورت النقديّة حول موضوع السيطرة على الميديا وتاليا استعمار العقول وتوجيه الافكار حيث أعاد الفيلسوفان و عالما الاجتماع هوكنهايمر و أدورنو في كتابهما “جدل التنوير ” تعريف الجهل بوصفه عملية منظمة لإنتاج الوعي الزائف عبر الثقافة الجماهيرية والايديولوجيا ، مما يخضع الأفراد لهيمنة العقل الأداتي( من آداة ) ومفرزاته و أكمل هربرت ماركيوز هذا الاتجاه معتبرا أن الجهل يسهم في خلق الإنسان ذات البعد الواحد الذي يفتقد القدرة النقديّة ويقبل بأنماط السيطره القائمة .

Leave A Reply