مع مرور الأيام، تُثبت الوقائع أن هناك من يسعى إلى زج الجيش اللبناني في مواجهة مع حزب الله أو مع بيئة المقاومة، وأن فعالية صخرة الروشة وما سبقها وما رافقها وما تلاها تؤكد بما لا يقبل الشك أنها كانت تشكل الفرصة المناسبة لوقوع الفتنة المخطط لها، إلا أن حكمة وحنكة ووطنية المؤسسة العسكرية بقيادة العماد رودولف هيكل عطلت هذا المخطط وحافظت على السلم الأهلي ونجحت في تمرير الفعالية من دون أي شائبة أمنية تذكر.
وكان سبق فعالية الصخرة كلام للمبعوث الأميركي توم باراك الذي أكد أن “أميركا لن تُسلّح الجيش من أجل قتال إسرائيل، بل تريد تسليحه لمواجهة حزب الله وتنفيذ خطة سحب السلاح”، وقد شكلت هذه الفعالية فرصة سانحة لتوتير الأجواء بين الجيش وبين بيئة المقاومة، بعد التعميم الحكومي بمنع إضاءة الصخرة بصورة السيدين الشهيدين حسن نصرالله وهاشم صفي الدين والاعتراضات السياسية التي رافقته، وذلك تمهيدا لتسعير الفتنة بينهما ووضع المؤسسة العسكرية في مواجهة شريحة واسعة من اللبنانيين.
وعقب الفعالية التي مرّت بسلام، جاء كلام مدير التحالف الأميركي الشرق أوسطي للديمقراطية وعضو الحزب الجمهوري توم حرب ليكشف المستور حيث صب جام غضبه على قائد الجيش وعدد من الضباط وعلى مدير عام قوى الأمن الداخلي مطالبا بطردهم.
وإعتبر حرب (المعروف بمواقفه الداعمة لإسرائيل) أن “مسؤولين أميركيين يرون أن لبنان سقط في الامتحان، ومطلوب منه أن يصحح أوضاعه بطرد قائد الجيش ومدير عام قوى الأمن الداخلي، وكل من إرتكب الأخطاء الفادحة ولم ينفذ أمر الحكومة، أو أن يقوم بتطهير هائل في قيادة الجيش وتسمية أشخاص قادرين على تنفيذ المهام ومواكبة التغييرات الجذرية الحاصلة..
بعد كلام بارك وحرب الذي لم يحرك أي شعور وطني لدى “السياديين” الذين أداروا له الأذن الطرشاء، باتت الصورة أكثر وضوحا، وهي أن ثمة غضب أميركي على قائد الجيش العماد رودولف هيكل، أولا بسبب خطة حصرية السلاح التي ضمّنها العقبات والعراقيل المتعلقة بإحتلال إسرائيل وعدوانها المستمر على الأراضي اللبنانية، وثانيا لأنه لم يعطي أوامره للجيش لمنع إضاءة صخرة الروشة بالقوة، وقد لاقى هذا الغضب صداه الواسع في الداخل اللبناني من رئيس الحكومة نواف سلام إلى بعض التيارات السياسية وبعض نواب التغيير والسياديين الذين سارعوا إلى تحميل الجيش مسؤولية إضاءة الصخرة وشرعوا في الهجوم عليه وإنتقاده وصولا إلى التشكيك به.
وجاءت مواقف رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري والتي أكدت على أن الجيش “خط أحمر” لتشكل حصانه له ولتضع حدا لأوركسترا الانتقاد والتشكيك، وقد جدد الرئيس عون خلال لقائه الرئيس سلام في قصر بعبدا أمس موقفه بعدم “التهاون في إستهداف صمام أمان البلاد والعباد”.
وعلى قاعدة إذا عُرف السبب بطُل العجب، فإن ما يشهده مؤتمر دعم الجيش اللبناني بدعوة من المملكة العربية السعودية وفرنسا من عراقيل وعقبات وتأجيل، ربما يكون عائداً إلى عدم رضى الإدارة الأميركية عن المؤسسة العسكرية وسلوكها الوطني الرافض لأية مواجهة مع أي من المكونات اللبنانية، خصوصا أن هذه المواجهة باتت مطلوبة وقد كان كلام توم باراك واضحا في هذا الصدد، وأما كلامه عن شرق أوسط غير شرعي ناتج عن تقسيمات “سايكس بيكو”، وترويجه لمنطقة بدويلات طائفية مذهبية خاضعة لإسرائيل وبإشراف أميركي، فربما أيضا يكون ذلك إنطلاقا من لبنان، عبر إيجاد فتنة بين الجيش وشعبه تؤدي إلى إنقسامه أو إنهياره، تمهيدا لسقوط البلد برمته، وعندها يسهل تقسيمه أو فدرلته، لتنتقل العدوى بعد ذلك إلى سائر دول الشرق الأوسط الذي سيحمل صفة “الجديد” بختم إسرائيلي.
غسان ريفي – سفير الشمال

