النبطيةُ ذاتُ الوشاحَيْنِ – الإعلامية جمانة كرم عياد

الإعلامية جمانة كرم عياد

من النادر أن تجدَ مدينةً تجمعُ بين أناقةِ الحضارةِ الواعيةِ المتّزنة، وبين أصالةٍ فيها من العمقِ التاريخيِّ والحضورِ الروحيِّ ما يجعلُها سليلةَ نتاجٍ روحيٍّ يغوصُ في كيمياءِ التكوينِ النفسيِّ لأبنائها.
إنّ هاتَيْنِ الميزتَيْنِ متجذّرتانِ في النبطيةِ إنسانًا وتراثًا وبناءً. هاتانِ الصفتانِ تهبانِ للنبطيةِ معنًى قلَّ نظيرُهُ في أرقى عواصمِ الدنيا. إنّك حين تتّجهُ جنوبًا إلى هذه المدينةِ الخالدةِ، تُحسّ أنّ التاريخَ يرافقُكَ وأنت تجوسُ خلالَ معالمِها المتنوّعةِ الدلالات؛ يُفاجئُكَ نُصْبُ العالمِ العبقريِّ المُخترِعِ حسن كامل الصبّاح، الذي أذهلَ العالمَ بعلمِه وابتكاراتِه، ابنِ النبطيةِ الذي جعلَ اسمَهُ موازيًا للعلماءِ الكبارِ الذينَ كانتْ ابتكاراتُهمْ ركيزةَ الحضارةِ الإنسانيةِ المتطوّرة.
ويستوقفُكَ الطريقُ ليقصَّ عليكَ قصّةَ هذا العالمِ العظيم، ويُخبِرَكَ أنّهُ كان ينتمي لبيتٍ ذي علمٍ وأدبٍ، وقد استطاعَ بنبوغِهِ أن يكونَ رائدَ علمٍ ومعرفةٍ، ممّا جعلهُ من المساهمينَ الكبارِ في إذكاءِ التوهّجِ العلميِّ، لا سيما في مجالاتِ الهندسةِ الكهربائيةِ والطاقةِ والتلفزةِ وغيرها…
وعندما تطأُ هذه المدينةَ، تشعرْ أنَّ التاريخَ والحضارةَ والتطوّرَ موجودةٌ في كلّ معالِمِها.
فتَرى النطاسيَّ الاختصاصيَّ بالطبِّ، وغيرَهُ ممّن نالوا رتبةَ البروفيسور في الفيزياءِ والكيمياءِ والرياضياتِ وغيرها من العلومِ المتنوّعة، وترى المحاميَ النابغَ الأَلْمَعِيَّ، ولا غروَ، فهي مدينةُ المناضلينَ، والأدباءِ، والشعراءِ، والفنانين…
وفيها يهلّ رجلُ الدينِ التقيُّ، الذي تنعكسُ صورةُ النبطيةِ من طهارةِ عمامتِهِ الناصعةِ، بعيدًا عن التعصّبِ والانغلاق. إنّ طبيعةَ النبطيةِ هي التي تمنعُ هذا المعمَّمَ من أن يكونَ متعصّبًا مغلقًا، وكيفَ يتعصّبُ وهو من المدينةِ التي غسلتْها المجالسُ الحسينيّةُ من وباءِ التعصّبِ والانغلاق؟
لقد كانت النبطيةُ مدرسةً حسينيّةً وما زالتْ، وكان الناسُ يأتونَ من القرى والأماكنِ البعيدةِ ليشمّوا ثرى الطفِّ المُضَرَّجَ بدمِ سيّدِ شبابِ أهلِ الجنةِ الحسينِ بنِ عليٍّ عليهِ السلام. حينها تُدركُ بعمقٍ أنّ الذي يتخرّجُ من مدرسةِ أهلِ البيتِ لا يمكنُ إلّا أن يكونَ نقيًّا طاهرًا، خاليًا من الدَّنسِ والعيوبِ وما يُلطِّخُ الروحَ الإنسانيّة.
إنّ الذي يتربّى على الحبِّ الحسينيِّ في مدينةِ النبطيةِ، لا يمكنُ أن يكونَ حقودًا، لأنّ دموعَ عاشوراءَ غسلتْ روحَهُ ودربَهُ من كلِّ وباءٍ.
النبطيةُ بنتُ الجبلِ العامليِّ الأشمِّ ، وبنتُ الثقافةِ العامليّةِ التي ملأتْ لبنانَ وغيرَهُ بالعلماءِ الأَفْذاذِ، لأنّها نبعٌ من التضحيةِ والوفاءِ، فهي مدينةُ الشهداءِ والعلماءِ.
فاسمُها يعودُ إلى زمنِ الأنباطِ الذين وفدوا إليها قبلَ الميلادِ، وهو يعني: “نَبَطَ الماءَ وانبجسَ”، فسَالَ فِكرًا، وأشرقَ نورًا، فرَفَلَ بزهرةِ التبغِ، وغنّتْ له الأيامُ…
ومن أبجديّاتِ هذه المدينةِ الصابرةِ الصامدةِ التي غدتْ كالفراشةِ التي عشقتِ الضوءَ فجذبتْها النارُ واحترقتْ، ثم عادتْ كطائرِ الفينيقِ تطيرُ من جديدٍ، وتحلمُ من جديدٍ بالغدِ المشرقِ رغمَ غيومِ الأمّةِ السوداءِ…
وحدّثْ بلا حرجٍ عن سوقِ الاثنينِ النباطيِّ الشهيرِ، الذي انبثقَ من عمقِ التاريخِ، وواكبَ المدينةَ في سرّائِها وضرّائِها. وأبنيةُ النبطيةِ القديمةُ تُذكِّرُكَ بالتاريخِ الذي لا يزولُ أبدًا، وتفوحُ منها رائحةُ التراثِ.
كلُّ هذا غيضٌ من فيضٍ، فالحديثُ عن هذه اللؤلؤةِ العامليّةِ لا ينتهي بينَ هذه السطورِ الذهبيّة…

Leave A Reply