أنا صور… مدينة واحدة، قلب واحد

حين يُقال “صور”، يُقال المجد. يُقال البحر الذي علّم أبناءه الصبر والصلابة. يُقال التاريخ الذي لم ينحنِ يومًا أمام العواصف، بل واجهها شامخًا كأشجار الزيتون التي تظل واقفة رغم الرياح.

صور، المدينة التي لم تعرف الانكسار حتى في أقسى اللحظات، كانت بعد الحرب الأخيرة مثالًا حيًّا للكرامة. لم تختبئ خلف وجعها، ولم تذرف دمعها في الخفاء، بل وقفت بكل إباء، ووقف أهلها معها… يدًا واحدة، قلبًا واحدًا، وانتماءً لا يتزحزح.

في كل ركن من أركان المدينة، يلمع أثر من محبة أبنائها. هنا لا تُقاس المواطنة بالشعارات، بل بالأفعال. لم ينتظروا قرارًا من جهة، ولم يتكئوا على دعم خارجي، بل تكاتفوا: بلدية ومؤسسات، أفراد وناشطون، شبابًا ومخضرمين، ليعيدوا إلى صور وجهها النابض بالحياة… بل الأجمل من ذي قبل.

وما نشهده اليوم من أعمال ومشاريع شاملة في مختلف أحياء المدينة، بمبادرات أهلية ومؤسسية بالتعاون مع البلدية، ليس سوى برهان على هذه الروح الجماعية المتجددة. لم تكن مجرد حملة بيئية، بل حركة نهوض جماعي. فقد لبّى النداء الجميع: البلدية، الجمعيات، رجال الأعمال، طلاب المدارس، المتطوعون، الأمهات، وأصحاب المحال. كلّهم آمنوا أن الطريق ليس مجرد إسفلت، بل شريان حياة يليق بمدينة كانت وما زالت رئة الجنوب وقلبه.

الزيتون، الصنوبر، والورد الجوري، لم تُزرع فقط في الأرض، بل نبتت في القلوب. والألوان التي زُيّن بها الأوتوستراد لم تكن مجرد لمسة جمالية، بل تجلٍ لعزيمة شعب قرر أن يحوّل الألم إلى طاقة، والتعب إلى إبداع.

صور لم تنتظر معونة طارئة، بل استنهضت تاريخها العريق وطاقات شبابها لتقول إن الانتماء الحقيقي يصنع المعجزات. وفي زمن ندر فيه الوفاء، ها هي المدينة تكرّم من لم يخذلها يومًا. فكان إطلاق اسم دولة الرئيس نبيه بري على جادة الكورنيش الجنوبي، تعبيرًا عن تقدير لمسيرة وطنية ثابتة، لرجل لم يساوم على كرامة الجنوب ولا على وحدة ترابه وأهله. وهو تكريم يحمّل الجميع مسؤولية تطوير هذا المعلم الحضاري، ليكون شاهدًا على الوفاء، ومتنفّسًا لكل أبناء المدينة.

اليوم، في صور، تتلاشى الحدود بين الفرد والجماعة، بين المسؤول والمواطن، بين الأمس واليوم. إنها لحظة نادرة، تُكتب بحبر المحبة، وتُروى كقصة نجاح تستحق أن تتعلّم منها المدن الباحثة عن طريق للنهوض.

صور، ليست مجرد مدينة. إنها فكرة حيّة، تقول لكل من يسمع: حين نكون يدًا واحدة، نصنع من الرماد جمالًا، ومن الحطام أملًا، ومن التحديات فرصة لحياة أبهى.

المحامي خضر عكنان

عضو مجلس بلدي سابق

التاريخ:

الثلاثاء ١٥/٧/٢٠٢٥

Leave A Reply