سابين عويس – النهار
كلما اقترب موعد انتهاء ولاية حاكم المصرف المركزي رياض سلامة، تكشفت أكثر المخاوف لدى أركان السلطتين النقدية والمالية، فضلاً عن السلطة السياسية، من مواجهة المسؤوليات التي يُفترض أن تضطلع بها مجتمعة، بعدما كانت حصراً في يد سلامة على مدى ثلاثة عقود من الزمن، وهي عملياً الفترة التي حكم وأدار فيها السياسات المالية والنقدية في البلاد من دون منازع، ولا حتى تغطية قانونية، بل فقط قرارات سياسية لحظتها البيانات الوزارية للحكومات المتعاقبة.
في سباق الأيام الأخيرة قبل حلول الواحد والثلاثين من الشهر الجاري، بدا حجم الضياع والتشتت هائلاً على مستوى سلطات عاجزة عن تولي مسؤولية إدارة الدولة. تبلورت حال الضياع هذه على أكثر من محور، أولها على مستوى موقع الحاكم نفسه حيث تظهر العجز عن تأمين توافق سياسي من أجل توفير الغطاء المطلوب لتعيين حاكم جديد في جلسة لحكومة مستقيلة تقتصر صلاحياتها على تصريف الأعمال. لم يرهق أي مسؤول أو كتلة نيابية نفسه بالطلب الى المجلس الدستوري الإجازة بالتعيين بسبب الضرورة في ظل الشغور الرئاسي، تماماً كما حصل مع البرلمان الذي أجاز له المجلس التشريع وهو في هيئة ناخبة.
ثاني أوجه العجز تجلّى لدى نواب الحاكم الذين لم يوفروا وسيلة لرفع المسؤولية المترتبة عليهم في حال تولّي مهامهم ضمن المجلس المركزي، علماً بأن صلاحيات الحاكم تؤول حكماً وفق قانون النقد والتسليف الى النائب الأول حصراً.
بعد بيان التهديد بالاستقالة، خطة اقتصادية ومالية مختصرة لزوم ما لا يلزم، ما دامت كل بنودها واردة في خطة الحكومة للتعافي الاقتصادي أو في البرنامج مع صندوق النقد الدولي. لم يكن الهدف منها إلا واحداً وهو انتزاع الغطاء القانوني للتصرف بالاحتياطي الإلزامي الباقي لدى المركزي، الذي حرص سلامة على عدم المسّ به بعدما وصل الى حدود ٩ مليارات دولار، وذلك من أجل القول إنه لم يسلّم المركزي فارغاً من الأموال.
ثالث وجوه التشتت برز في الجلسة الحكومية المخصصة لبدء مناقشة مشروع قانون موازنة ٢٠٢٣. وبدلاً من ذلك، خصصت الجلسة لبحث مصير الحاكمية وموقف نواب الحاكم والخطة التي تقدموا بها، من دون أن يؤول النقاش الى أي نتيجة.
توازياً، استعاد رئيس المجلس نبيه بري زمام المبادرة. فطرح لدى لقائه أمس مع رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي ضرورة الدعوة الى جلسة حكومية من أجل تعيين حاكم جديد. وهكذا كان. فقد أعلن المكتب الإعلامي لميقاتي عن دعوته الى جلسة قبل ظهر غد الخميس وذلك لمتابعة مستجدات الوضعين المالي والمصرفي.
في المعلومات المتوافرة، إن هذه الجلسة ستطرح تعيين حاكم جديد بناءً على مجموعة من أسماء المرشحين الذين سيعرضهم ميقاتي على الوزراء. تؤكد المعلومات أن الجلسة ستنعقد وسيؤمن وزراء الثنائي الشيعي النصاب، ولكن ما هو غير مؤكد أو محسوم يتمثل باحتمال عدم الوصول الى التوافق على اسم المرشح.
تفيد المعلومات أن سلة الأسماء التي سيطرحها ميقاتي تتضمن كلاً من: الوزيرين السابقين كميل أبو سليمان ومنصور بطيش، المصرفي سمير عساف، المصرفي كريم سعيد (وهو شقيق النائب السابق فارس سعيد) المدير العام للقصر الجمهوري أنطوان شقير، ونعيم أبو جودة.
ينطلق ميقاتي من دعوته الى عقد الجلسة من رغبته في ممارسة دوره ومسؤوليته كاملة في هذا الشأن، وهو أبلغ بري بأنه ليس في وارد التنصل من هذه المسؤولية، ولا سيما أن الجميع ذاهبون نحو طريق مسدود. فتهديد نواب الحاكم لا يساعد في معالجة الشغور في الشكل القانوني، كما أن خطوة كهذه لا يمكن أن تُلقى تبعاتها على رئيس الحكومة، بل على مجلس الوزراء الذي يعود له، كما عيّن، أن يقرر قبول الاستقالة أو عدمها. وهذا يتطلب ثلثي الأصوات.
في الخلاصة، وضع ميقاتي، مدعوماً من بريّ القوى السياسية أمام مسؤولياتها في حسم مصير الحاكمية، تعييناً لحاكم جديد أو تسليم منصوري الصلاحيات، علماً بأن استقالة النواب لم تعد محسومة. وبدا من اجتماعهم بميقاتي أنهم ليسوا على رأي واحد، وهم غير راغبين في الاستقالة، بل متهيّبون تحمّل المسؤولية. هذا التشتت على مستوى نواب الحاكم يعكس في شكل واضح أنهم يخضعون لقرار سياسي يطلب منهم علم تسلم مسؤولياتهم. ولا يبرر مثل هذا القرار إلا برغبة لدى فريق معيّن في دفع البلاد نحو الفوضى فيما يصبح تولي منصوري صلاحياته بالوكالة في ظل تسيير شؤون المركزي.

