تحطمت أحلامه على سورها.. كيف هزمت عكّا الفلسطينية نابليون بونابارت؟

سنة 1799 حاصرت قوات الحملة الفرنسية إلى الشام، بقيادة نابليون بونابارت، مدينة عكّا محاوِلة اقتحامها، غير أنها فشلت في ذلك، وكانت هزيمتها بداية مرحلة جلاء القوات الفرنسية عن مصر والشام. فيما لعبت القوات العثمانية دوراً هاماً في نصرة عكّا

يصادف يوم 9 مايو/أيار الذكرى 223 لحصار القوات الفرنسية مدينة عكّا، خلال الحملة التي قادها نابليون بونابارت على مصر وبلاد الشام نهاية القرن الثامن عشر. وكانت هزيمة بونابارت وضياع حصاره دون تحقيق مكاسب في المدينة الفلسطينية، نقطة فاصلة في مسار حملته تلك، وبداية جلائه عن بلاد المسلمين الذي كان في سنة 1801.

ولعبت القوات العثمانية دوراً مهماً، بشكل مباشر أو غير مباشر، في فشل حصار بونابارت لعكّا، بعد أن ثارت حمية السلطان العثماني وقتها، عبد الحميد الثالث، ودعوته إلى الجهاد من أجل رفع هذا الكرب عن بلاد الإسلام، رغم علمه بإنهاك جيوشه طوال سنوات الحرب مع روسيا والقلاقل الداخلية التي كانت تعيشها إسطنبول عاصمة الخلافة آنذاك.

حصار عكّا

بعد دخوله مصر في أول يوليو/تموز 1798، ساعياً إلى عرقلة خطوط التجارة البريطانية مع الهند، عمد نابليون بونابارت إلى كسر شوكة المماليك هناك، لأجل أن يبسط له حكم البلاد. وبعد تحقق ذلك، سار بجيوشه إلى فلسطين كمدخل لغزوه بلاد الشام من ناحية الغرب. فسقطت تحت وقع مذابحه مدن غزة ويافا واللد، التي قتل أهلها واستباح وسلب مقدراتها.

وكان في عكّا وقتها الوالي العثماني أحمد باشا الجزار، والذي تجمع بينه وبين الفرنسيين عداوة قديمة، هو من تولى قيادة الجهاد ضد الفرنسيين في فلسطين. إذ يقول صاحب كتاب “الحملة الفرنسية على مصر والشام”، المؤرخ نيقولا ترك، في كتابه المذكور: “هاجت جميع ممالك الإسلام لمحاربة الفرنسيين اللئام (…) وقد حضرت الأوامر الشريفة إلى أحمد باشا الجزار بالهجوم على هؤلاء الكفار ويكون سر دار (قائد) العسكر (…) وكان بين الجزار والفرنسيين عداوة قديمة وبغضة جسيمة من طرد قناصلهم من بلاده”.

وعلم الجزار بما وقع بأهل يافا بعد أن هجم عليهم الفرنسيون وحاصروا مدينتهم، حيث عمد أهل يافا إلى طلب الأمان ومعاملتهم أسرى حرب مقابل وضعهم سلاح المقاومة، إلا أن الفرنسيين خدعوهم وبعد الاستسلام قتلوا كل جنود الحامية العسكرية هناك، والذي تقدرها المصادر بـ 4000 شخص.

حاصرت الجيوش الفرنسية عكّا، وبدأت بقصفها بالمدفعية من البحر والبر، وقاومت المدينة كذلك الرد بالمدفعية والبنادق من الأبراج وفوق الأسوار، كما دعمها الأسطول البحري العثماني والإنجليزي من البحر بالقصف كذلك. ويضيف ترك في هذا الصدد: “وكانت حرباً مهولة لم يكن مثلها قط لأن الفرنسيين كانوا يضربون بالمدافع والقنابر. وفي المدينة كذلك، المدافع والقنابر من الأبراج والقلاع والحصون والأسوار. وكانت المراكب العثمانية والمراكب الإنجليزية تضرب كذلك المدافع والقنابر. حتى خُيِّل إلى الناظرين والسامعين أن عكّا لم يبقَ منها حجر على حجر”.

وذكرت المصادر التاريخية أن عدد المدافع على أسوار عكّا بلغ 250 مدفعاً أثناء الحصار الفرنسي، واهتم الجزار بجمع كميات كبيرة من الغذاء والقمح والأرز والمؤن، بالإضافة إلى توفير كميات كافية من المياه، وذلك من أجل الاستعداد للحصار قبل وصول الفرنسيين إلى عكّا. وقاد الجزار عملية الدفاع البري عن المدينة، على قوة قوامها 30 ألفاً من أهل بلدان فلسطين ولبنان وسوريا، وكاد أن يهزم كليبر أبرز جنرالات نابليون في معركة مرج ابن عامر.

وصمدت عكّا لـ 12 يوماً من الحصار، وبعدها انسحبت القوات الفرنسية عائدة إلى مصر. لينتهي أحد أحلك الأيام من تاريخ المدينة المشهورة بصورها، وتحتفي بنصرها على نابليون بونابارت الذي ملك بعدها نصف أوروبا. ويقول نابليون في مذكراته ناعياً هزيمته في عكّا: “تحطمت أحلامي على أسوارك يا عكّا، سلام لا لقاء بعده”.

الدور العثماني في هزيمة نابليون

منذ الشهور الأولى للحملة الفرنسية، انتفضت الخلافة العثمانية بإسطنبول لنصرة مسلمي الأقطار المغزوَّة. فيقول المؤرخ العراقي ياسين العمري، في كتابه “غرائب الأثر في حوادث ربع القرن الثالث عشر”، إن “السلطان سليم الثالث لم يعلم بما جرى في مصر إلا بعد شهرين، فلما بلغه الخبر أخذ يبكي على الإسلام وأحضر الوزير الأعظم عزت محمد باشا فشتمه ونفاه، وعزل شيخ الإسلام، واستدعى يوسف باشا فقلده الوزارة العظمى، وخرج هذا من إسطنبول بمائة وعشرين ألف فارس”.

ويكشف هذا التحرك قدراً كبيراً من إيمان إسطنبول بعدم التخلي عن الأقطار التي كانت تنضوي تحت سلطتها الإسمية، وتحت القيادة الدينية للسلطان العثماني. رغم أنها كانت تعيش في تلك الفترة قلاقل داخلية عديدة، وتمزقها التمردات العسكرية للإنكشارية. إضافة إلى أن جيوشها كانت منهكة من الحروب ضد روسيا، والتي لم يمضي على انتهاء إحداها سوى أربع سنوات.

وفي حصار عكّا، لعب العثمانيون دوراً مهماً في انتهائه. أولاُ، بشكل مباشر عبر دخول القوات البحرية العثمانية الحرب، ومساندة أسطولها للمدينة المحاصرة بالقصف المدفعي من البحر. ومن البر عبر القوات التي قادها الوالي أحمد باشا الجزار. وثانياً بشكل غير مباشر، إذ يذكر نيقولا ترك أن أحد أسباب انسحاب نابليون كان علمه بأن “العمارة العثمانية العظيمة قد تجهَّزت وقريباً تصل إلى الديار المصرية” بقيادة مصطفى باشا كوسا من أجل تحرير البلاد.

Follow Us: 

 

Leave A Reply