لماذا يبدو برّي المطمئنّ الوحيد وسط قلقين على موقعهم؟

ابراهيم بيرم – النهار

مع دنوّ موعد الانتخابات النيابية المقرون بارتفاع وتيرة الصراعات والانقسامات والتوترات الداخلية، لا تخطئ عين المراقب أن رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي ستكون له اليوم إطلالته الإعلامية الأولى انتخابياً، يتبدّى الأكثر اطمئناناً إلى وضعه السياسي بين قلقين حدّ الهلع وخائفين على مواقعهم وحضورهم في المعادلة ومستقبلهم السياسي.

وبناءً على ذلك يظهر سيد عين التينة في الآونة الأخيرة كمن أجرى قطع حساب تاماً مع المرحلة الماضية وأقفل ملفاته ودفاتره على ثقة مطلقة بالآتي، وليراقب الآخرين وقد غرقوا في قلق مقيم واضطروا الى خوض مواجهات دائرية للمحافظة على مواقعهم.

فالرئيس بري حسب المتصلين به يسلك مسلك المطمئن الى أمرين معاً:

الأول أنه، خلافاً لكل الذاهبين الى الاستحقاق الانتخابي، ضامن أن تعود كتلته البالغة 17 نائباً من دون أن يلحق بها أيّ نقصان.

وفي الوقت الذي ما زال فيه كل الأفرقاء، أكانوا حلفاء أم مدرجين في خانة الخصوم، يضربون أخماسهم بأسداسهم وينعمون النظر في تغييرات مجبرين على إجرائها في قوائمهم الانتخاوبية بغية درء الخسارة من جهة ولمحاكاة المستجدات وأمزجة ناخبيهم فإن الرئيس بري أجرى ما يشبه عملية موضعية في قائمته فأعاد الاعتبار الى نحو 90 بالمئة من كتلته الحالية ولم يضطرّ إلا الى تغيير اسم واحد (في دائرة بنت جبيل) واسمين آخرين في النبطية ومرجعيون –حاصبيا بادرا الى إعلان هجران الحياة النيابية كلّ لأسبابه، ولا سيما أنهما شربا من مياه هذه التجربة لأكثر من عقدين من السنين. فبادر هو على عجل الى تعبئة الفراغ بما هو مناسب فاختار عن النبطية شخصية من عائلة جابر نفسها (مبدئياً) واختار للمقعد الدرزي في الجنوب اسماً يلقى رضى كلّ الأطراف الدرزية وفي مقدّمها حليفه رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط.

وهو بذا يكون قد لبّى نسبياً الدعوات التي وُجّهت إليه للتغيير والتبديل، ولكنه في الوقت عينه ضمن عودة كتلته التي يمكن أن يقول عنها إنها منوّعة لا تقتصر على تمثيل واحد أو طائفة بعينها كما باقي الكتل.

وعلى مستوى حركة “أمل” ومطالب قاعدتها فإنه يمكن أن يواجه المنتظرين منه تعديلاً بالقول لهم إنه كان حريصاً على كل الوجوه الحركية “الأصلية” التي لها تاريخ من النضال والحضور، والمثال الأبرز هو النائب أيوب حميد الثابت منذ أول انتخابات جرت بعد الطائف.

ولكن ثمّة من ينتظر من الرئيس بري أن يعلن أسماء كل المرشحين عن دائرة قرى صيدا – صور لكي ينقطع دابر الكلام عن إجراءات وتدابير يشاع أنه في وارد اتخاذها في اللحظة الأخيرة تفضي الى تمهيد الطريق لعملية توريث سياسي على نحو سلس. وهو إن استطاع أن يوصد باب هذا النوع من الكلام في الساعات والأيام القليلة المقبلة فإنه يكون حسب عالمين قد وضع في الوقت المناسب حداً لخلاف قيل إن فصوله تجري في البيت الداخلي. والأهم من ذلك أن أداء بري قد قطع بشكل غير مباشر سيلاً من التكهنات والتحليلات سرى أخيراً عن إمكان أن يطالب شريكه في الثنائي بتغيير في قواعد القسمة واللعبة السياسية والنيابية والإدارية وهي القواعد السارية بثبات منذ نحو عقدين.

وليس خافياً أن كلاً من الطرفين الشريكين قد وجّه إلى الآخر مباشرة وبالواسطة رسائل مشفّرة فسّرتها الأوساط المراقبة على أنها تشفّ عن توجّه مكتوم لدى حزب الله للرغبة في تحسين الشروط انطلاقاً من أن الوقائع التي على أساسها أرسيت قواعد هذا التفاهم قد طالها تغيير. وحسب أوساط شيعية متابعة فإن بري قد استدرك باكراً الأمر فوجّه رسائل الى الشريك تنمّ عن إصرار على بقاء القديم على قدمه. لذا ومثالاً على ذلك لم تنجح محاولات جادّة بذلها شريك بري في الثنائي لتسمية من يزكّيه لمنصب نائب المدير العام لأمن الدولة (منصب شيعي) مع أن هذا المسمّى له الأفضلية لأن له الأقدمية في التراتبية.

وفي الإطار عينه نجح بري في إبرام تفاهم تم على عجل بينه وبين الحزب يقضي بإرجاء ترتيب دائم لأوضاع مؤسسة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الذي شغر بوفاة رئيسه الشيخ عبد الأمير قبلان خصوصاً بعدما استشعر شغف شريكه لكي تكون له شراكة حقيقية في هذه المؤسسة.

ولذا يبدو جلياً أن بري والحزب يديران، بعيداً عن الأضواء، “لعبة” تنطوي على كثير من عناصر التشاطر لإدارة المرحلة. وهذا ليس بمستغرب، فالرئيس بري يعرف مواطن الضعف الكامنة لدى الحزب والمندرجة تحت عنوان: إن الحزب يوصي جمهوره وكادره القيادي بوصيّة: الحرص على عدم إزعاج الرئيس بري والوقوف على خاطره في كل شاردة أو واردة لأنه شبكة الأمان الطائفية والوطنية التي يمنحها للحزب حيث لا يجرؤ الآخرون ولا يستطيعون.

وبناءً على ذلك فإن في الوسط الشيعي الذي يعدّ نفسه بمنأى عن جاذبية طرفي الثنائي، من يرى أن بري مطمئنّ بدرجة كبرى الى “حزب الله”، وفي المقابل فإن الحزب يبلغ من يجاهر أحياناً بالشكوى من داخل قاعدته احتجاجاً على ما يراه إحجافاً من بري بحق الحزب ذي الحضور المكين، بالقول إن الرجل لم يخذلنا في القضايا الاستراتيجية إطلاقاً وهذا ما يهمّنا.

إنها إذن لعبة تبادل مصالح موزونة بميزان الذهب، هي اللعبة التي يديرها بعناية وشطارة طرفا ثنائي يسيطر بنسبة تتجاوز الـ75 بالمئة من طائفتهما التي تشكل قوّة وعديد ثلث الوطن. ومن خلال هذه الإدارة يتجاوز الحزب عن كلام من النوع الذي أطلقه أخيراً رجل أعمال خليجي شهير ومضمونه أن بري طلب في مطلع عقد التسعينيات أن لا تترك المنظومة الخليجية لبنان لقمة لإيران. وعندما فاتح البعض الحزب بهذا الكلام كان الرد أن كلاماً يقال في ذلك الزمن الغابر لم يعد له قيمة الآن لأن كل المعطيات تحوّلت ولأن الإضاءة على مثل هذا الكلام الآن هي استدراج لشرك وفتنة.

وفي كل الأحوال فإن بري المطمئن انتخابياً بدا كأنه الوحيد الذي يرمي قفاز التحدّي بوجه الجميع ويقول قبيل فترة إنه لن يسير إطلاقاً في أيّ تأجيل للانتخابات ولو لساعة، ويُشهد له أنه الوحيد الذي يعني ما يقوله.

وفي الوقت عينه ثمة من يسأل عن أبعاد صمت بري حيال السجال الحاصل حول موضوع ترسيم الحدود خصوصاً أنه كان له قصب السبق في المفاوضات التي آلت الى اتفاق الإطار. وثمّة من يفسر هذا الصمت بأنه بليغ لأن بري يعي أن أحداً لن يمضي الى عملية الترسيم الشائكة من دون الرجوع إليه وأخذ مباركته.

Leave A Reply