المسلمون يقتحمون الكونغرس الأمريكي.. جيل جديد يتحدى ترامب ويكسر حواجز الإقصاء

الإعلامية جمانة كرم عياد

ثمانية وجوه مسلمة بين مجلسي الشيوخ والنواب.. انتصارات انتخابية في مواجهة حملات التشويه والتحريض والضغوط السياسية، وترسيخ حضور المسلمين في قلب المؤسسة التشريعية الأمريكية.

لم يكن الثالث من نوفمبر 2026 يوماً انتخابياً عادياً في الولايات المتحدة الأمريكية، بل حمل تطوراً تاريخياً في مسار الحضور السياسي للمسلمين الأمريكيين، مع فوز الطبيب والسياسي عبدول السيد بمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح أول مسلم يُنتخب لعضوية هذا المجلس، إلى جانب فوز وجوه مسلمة جديدة واحتفاظ نواب آخرين بمقاعدهم في مجلس النواب.

ثمانية أسماء مسلمة برزت في المشهد الانتخابي، بين فائزين أُعلنت نتائجهم وفائزة أعلنت تقدمها وفوزها فيما ظلت النتائج النهائية قيد الاستكمال. ولم تكن أهمية هذا المشهد في عدد المقاعد وحده، بل في دلالاته السياسية والاجتماعية، وفي خوض مرشحين مسلمين حملاتهم الانتخابية تحت ضغط حملات التشكيك والتحريض والهجوم السياسي، وفي مقدمتها الهجمات التي استهدفت بعضهم من الرئيس دونالد ترامب وحلفائه.

لقد كشفت هذه الانتخابات عن حضور انتخابي متنامٍ للمسلمين، وعن جيل لم يعد يرى المشاركة السياسية تناقضاً مع هويته الدينية أو أصوله العربية والإسلامية، بل يعتبرها وسيلة للتعبير عن قضايا المجتمع وحقوق المواطنين ومواقفهم من السياسة الأمريكية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

أولاً: عبدول السيد.. اختراق تاريخي لمجلس الشيوخ

كان الحدث الأبرز في ولاية ميشيغان فوز عبدول السيد، الطبيب والسياسي الأمريكي من أصول مصرية، بمقعد مجلس الشيوخ، بعد منافسة مع الجمهوري مايك روجرز، المدعوم من الرئيس ترامب وقيادات جمهورية.

ويمثل هذا الفوز سابقة تاريخية؛ إذ أصبح السيد أول مسلم يُنتخب عضواً في مجلس الشيوخ الأمريكي، وهو أحد أهم مؤسسات النظام السياسي في الولايات المتحدة، بما يضطلع به من صلاحيات تشريعية ورقابية، ومشاركة في المصادقة على التعيينات والاتفاقيات والمعاهدات.

وخلال حملته الانتخابية، واجه السيد هجمات سياسية وإعلامية استهدفت هويته ومواقفه، ووصلت إلى اتهامات بالتطرف والتشكيك في الولاء، وهي اتهامات رفضها، واعتبرها منتقدوه جزءاً من خطاب يستهدف المسلمين ويثير المخاوف منهم.

كما برزت مواقفه من الحرب على غزة، ومعارضته الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل، ضمن القضايا التي أثارت الجدل حول حملته، إلى جانب برنامجه المتعلق بالرعاية الصحية وتكاليف المعيشة والحد من نفوذ الشركات في السياسة.

إن وصول عبدول السيد إلى مجلس الشيوخ لا يمثل تحولاً في التمثيل الديني فحسب، بل يفتح المجال أمام حضور أوسع لقضايا المسلمين والمهاجرين وفلسطين في واحدة من أبرز مؤسسات صنع القرار الأمريكي.

ثانياً: رشيدة طليب.. الصوت الفلسطيني الذي لم ينكسر

في ولاية ميشيغان أيضاً، حققت النائبة رشيدة طليب فوزها بولاية خامسة في مجلس النواب، لتواصل حضورها السياسي بوصفها أول امرأة فلسطينية أمريكية تصل إلى الكونغرس، وأحد أبرز الأصوات المدافعة عن الحقوق الفلسطينية داخله.

رشيدة، ابنة عائلة فلسطينية تعود جذورها إلى الضفة الغربية، لم تفصل بين هويتها ومواقفها السياسية، وظلت تطرح القضية الفلسطينية وتنتقد السياسات الإسرائيلية والدعم الأمريكي لها، رغم ما تعرضت له من حملات انتقاد وتشويه وضغوط سياسية.

وقد أصبحت مواقفها من الحرب على غزة وحقوق الشعب الفلسطيني موضع مواجهة متكررة داخل الولايات المتحدة، وخصوصاً في ظل الهجمات التي شنها ترامب عليها وعلى عدد من النواب المسلمين.

وجاء فوزها مجدداً ليؤكد استمرار ثقة ناخبي دائرتها بها، وليمنحها ولاية جديدة لمواصلة التعبير عن مواقفها داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية.

إن رشيدة طليب لا تمثل حضوراً فلسطينياً في الكونغرس فحسب، بل تجسد انتقال القضية الفلسطينية إلى قلب النقاش السياسي الأمريكي، حيث لم تعد الأصوات المطالبة بحقوق الفلسطينيين محصورة خارج المؤسسات الرسمية.

ثالثاً: إلهان عمر.. من مخيم اللاجئين إلى الكونغرس

وفي ولاية مينيسوتا، فازت النائبة إلهان عمر بولاية خامسة في مجلس النواب، لتواصل مسيرتها السياسية التي بدأت من تجربة اللجوء، بعد أن غادرت الصومال في طفولتها وعاشت فترة في مخيم للاجئين بكينيا قبل وصولها إلى الولايات المتحدة.

تحولت إلهان عمر إلى واحدة من أبرز الشخصيات المسلمة في السياسة الأمريكية، وواجهت مراراً هجمات من ترامب، تضمنت تصريحات أثارت انتقادات واسعة بسبب مضمونها المرتبط بأصولها وهويتها.

ورغم ذلك، واصلت حضورها السياسي والدفاع عن قضايا العدالة الاجتماعية وحقوق المهاجرين والمسلمين، إلى جانب مواقفها المطالبة بوقف الحرب على غزة ومراجعة السياسات الأمريكية تجاه المنطقة.

ويحمل فوزها المتجدد دلالة على استمرار حضورها في دائرتها الانتخابية، وعلى أن حملات التشكيك والهجوم السياسي لم تمنعها من تجديد تفويضها الشعبي.

رابعاً: الوجوه الجديدة.. جيل مسلم يوسع حضوره السياسي

لم يقتصر المشهد على النواب الذين جددوا عضويتهم، بل شهد دخول وجوه جديدة إلى مجلس النواب، في مقدمتها آدم حماوي ودارياليزا أفيلا شوفالييه.

آدم حماوي: الطبيب الأمريكي من أصول مصرية، فاز بمقعد الدائرة الثانية عشرة في ولاية نيوجيرسي، ليصبح أول مسلم يمثل الولاية في الكونغرس. ويمتلك خلفية مهنية في الطب والجراحة، وسبق له العمل طبيباً عسكرياً، كما ارتبط اسمه بالدفاع عن الرعاية الصحية وحقوق المواطنين ومواجهة الكراهية ضد المسلمين.

وتعكس تجربته انتقال الكفاءات المهنية من ميادين العمل الطبي والخدمة العامة إلى المشاركة السياسية، بما يوسع حضور المسلمين في المؤسسات الأمريكية.

دارياليزا أفيلا شوفالييه: تمثل وجهاً جديداً في هذا المشهد، وهي أمريكية من أصول دومينيكانية اعتنقت الإسلام، وفازت بمقعد الدائرة الثالثة عشرة في نيويورك، بعد حصولها على نسبة تجاوزت 85% وفق النتائج المنشورة.

وتحمل تجربتها دلالة على التنوع داخل المجتمع المسلم الأمريكي، الذي لا ينحصر في أصول قومية أو جغرافية محددة، بل يضم خلفيات متعددة يجمع بينها الانتماء الديني والمشاركة في الحياة العامة.

خامساً: عائشة وهاب وأندريه كارسون ولطيفة سايمون.. ترسيخ الحضور الإسلامي

إلى جانب الوجوه الجديدة، برزت ثلاثة أسماء أخرى في المشهد الانتخابي، لكل منها تجربة سياسية مختلفة.

عائشة وهاب: السياسية الأمريكية من أصول أفغانية، التي دخلت مجلس النواب بعد فوزها في انتخابات خاصة خلال أغسطس 2026، وأعلنت فوزها بولاية كاملة عن الدائرة الرابعة عشرة في كاليفورنيا، مع بقاء النتائج النهائية قيد التأكيد عند نشر التقارير الأولية. وتمثل تجربتها حضور جيل من النساء المسلمات في الحياة السياسية الأمريكية، مع الاحتفاظ بهويتهن وانتمائهن.

أندريه كارسون: احتفظ النائب المسلم عن ولاية إنديانا بمقعده في مجلس النواب، مواصلاً مسيرته البرلمانية الممتدة منذ عام 2008، ليظل أحد أقدم الأعضاء المسلمين حضوراً في المؤسسة التشريعية الأمريكية.

لطيفة سايمون: فازت مجدداً بمقعدها عن ولاية كاليفورنيا، مؤكدة استمرار حضورها السياسي، ومواصلة عملها في قضايا الحقوق المدنية والعدالة الاجتماعية وحقوق المهاجرين.

وبذلك تتجاور في المشهد تجارب الجيل الجديد مع خبرات سياسية ممتدة، بما يعكس اتساع التمثيل الإسلامي وتنوع خلفياته ومساراته.

سادساً: لماذا كل هذا الخوف من المسلمين في الكونغرس؟

يثير هذا التحول سؤالاً مهماً: لماذا تواجه بعض الشخصيات المسلمة في الكونغرس كل هذا الاستهداف السياسي والإعلامي؟

تكمن الإجابة في طبيعة القضايا التي يطرحها عدد من هؤلاء النواب، وفي قدرتهم على نقل ملفات كانت موضع خلاف خارج المؤسسات الأمريكية إلى داخلها، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والحرب على غزة، إلى جانب قضايا الهجرة والحقوق المدنية والتمييز الديني والعدالة الاجتماعية.

فالولايات المتحدة تضم ملايين المسلمين والعرب والمهاجرين، كما شهدت السنوات الأخيرة اتساعاً في النقاشات داخل الجامعات والشوارع والمؤسسات العامة حول فلسطين والسياسة الخارجية الأمريكية وحقوق الإنسان.

وقد أظهرت المواجهات الانتخابية في ميشيغان وغيرها أن الهوية الإسلامية أصبحت حاضرة في قلب الصراع السياسي الداخلي، وأن بعض الحملات لم تكتف بمناقشة برامج المرشحين، بل انتقلت إلى استهداف أصولهم وهوياتهم ومواقفهم من قضايا المنطقة.

كما أن مواقف رشيدة طليب وإلهان عمر وعبدول السيد من الحرب على غزة والدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل جعلت حضورهم موضع جدل سياسي وإعلامي واسع، في ظل نفوذ جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة.

وفي المقابل، كشفت النتائج عن أن المال والحملات الإعلامية لا يضمنان وحدهما حسم الخيارات الانتخابية، وأن الناخبين قد يمنحون أصواتهم لمرشحين يختلفون مع توجهات سياسية نافذة، متى وجدوا في برامجهم ومواقفهم ما يعبر عن تطلعاتهم.

وهنا تتجاوز دلالة هذه الانتخابات حدود الفوز بمقاعد برلمانية، لتكشف عن تغيرات في طبيعة المشاركة السياسية، وعن جيل مسلم يسعى إلى تثبيت حضوره والتعبير عن قضاياه من داخل المؤسسات الأمريكية.

الخاتمة: هذا اليوم هو البداية فقط

ما شهدته انتخابات الثالث من نوفمبر 2026 ليس نهاية القصة، بل محطة جديدة في مسار المشاركة السياسية للمسلمين الأمريكيين. ففوز عبدول السيد بمقعد مجلس الشيوخ، إلى جانب فوز وجوه جديدة واحتفاظ نواب مسلمين بمقاعدهم، يعكس اتساع مساحة الحضور الإسلامي في المؤسسة التشريعية الأمريكية.

وقد تستمر المواجهات السياسية وحملات التشويه والضغوط، لكن هذه النتائج أظهرت أن المسلمين لم يعودوا مجرد حضور هامشي في المشهد الانتخابي، بل أصبحوا جزءاً من معادلاته ومنافساته ونقاشاته العامة.

إنها رسالة تتجاوز حدود واشنطن: أن الهوية لا ينبغي أن تكون حاجزاً أمام المشاركة، وأن صناديق الاقتراع تتيح للمواطنين التعبير عن خياراتهم، وأن القضية الفلسطينية وحقوق المهاجرين والمسلمين باتت حاضرة في نقاشات لا يمكن تجاهلها داخل الولايات المتحدة.

مبروك للمسلمين والعرب في أمريكا هذا الحضور السياسي، ومبروك لكل من يرى في المشاركة الواعية طريقاً للتغيير، ولتبقَ فلسطين حاضرة في ضمير الأحرار، وفي كل منبر يستطيع أن يوصل صوت شعبها وحقوقه إلى العالم.

Leave A Reply