الإمام موسى الصدر لم يكن يبحث عن انتصار طائفة… بل عن انتصار الدّولة

كلّما مرّ لبنان في مرحلة مصيرية، يعود السؤال نفسه: لماذا نفشل في بناء دولة بينما تنجح دول خرجت من حروب أشدّ تدميرًا وانقسامات أكثر قسوة؟
الجواب ليس في الجغرافيا، ولا في الاقتصاد، ولا في نقص الكفاءات. الجواب يكمن في أنّ لبنان لم يحسم، حتى اليوم، خياره النهائي: هل يريد دولةً تحكم الجميع، أم ساحةً تتقاسمها القوى والنفوذ؟
لقد اعتاد اللبنانيون، منذ عقود، معالجة نتائج الأزمة بدل معالجة أسبابها. فعندما ينهار الاقتصاد، تُطرح حلول ماليّة. وعندما يتراجع الأمن، تُطرح إجراءات أمنية. وعندما تتعطّل المؤسسات، تبدأ المفاوضات على الحصص. لكنّ أحدًا لا يجرؤ على الاقتراب من أصل الدّاء: غياب الدّولة بوصفها المرجعية الوحيدة فوق الجميع.
هنا تتجلّى فرادة الإمام موسى الصدر. لم يكن رجل طائفة بالمعنى الضيّق، بل رجل مشروع وطني. فهم مبكرًا أنّ الطّوائف لا تستطيع أن تحمي وطنًا إذا غابت الدّولة، وأنّ أي قوّة، مهما كانت، لا تستطيع أن تعوّض مؤسّسة شرعيّة عادلة تحظى بثقة المواطنين.
كان يدرك أنّ الكرامة الوطنية لا تُصان بالخطب، بل بمؤسّسات تحترم الإنسان، وأنّ المقاومة الحقيقية تبدأ بمقاومة الجّهل والفساد والحرمان بقدر ما تبدأ بالدّفاع عن الأرض. فالوطن الذي ينتصر على عدوّه، ثم يعجز عن تحقيق العدالة بين أبنائه، يبقى معرّضًا لأزمات متكرّرة تستنزف قوّته من الدّاخل.
اليوم، وبعد سنوات من الانهيار والحروب والأزمات، لم يعد السؤال: من ربح سياسيًّا؟ بل: ماذا بقي من الدّولة؟
لقد أثبتت التّجربة أنّ أيّ فريق، مهما امتلك من نفوذ أو تأييد، لن يستطيع أن يبني وطنًا إذا بقيت المؤسّسات ضعيفة، وإذا ظلّ القانون يُطبَّق بانتقائيّة، وإذا بقيت الإدارة أسيرة المحاصصة، والكفاءة ضحيّة الولاءات.
إنّ الدّول النّاجحة لا تبدأ من المؤتمرات، بل من قرار سياسي وأخلاقي واضح: لا أحد فوق الدّولة، ولا حقّ يعلو على القانون، ولا مصلحة تتقدّم على المصلحة الوطنيّة. لقد تحوّلت الدّولة، في محطّات كثيرة، من إطار جامع إلى مساحة تجاذب، ومن ضامن للحقوق إلى ساحة صراع على النّفوذ. وعندما تُختزل الدّولة في ميزان القوى، تصبح عاجزة عن إنتاج العدالة، ويتراجع الانتماء إليها لمصلحة الانتماءات الضيّقة.
إنّ العودة إلى الإمام موسى الصدر ليست عودة إلى الماضي، بل عودة إلى السّؤال الذي لم يجرؤ أحد على الإجابة عنه بصدق: هل نريد دولةً سيدةً وعادلة، أم نريد سلطةً موزّعة بين مراكز قوة متنافسة؟
لقد كان الإمام الصدر يربط السّيادة بالمسؤولية، والحرية بالنّظام، والعدالة بالإنسان. وكان يؤمن بأنّ الدولة القوية ليست تلك التي تقهر مواطنيها، بل التي تجعل جميع المواطنين متساوين أمام القانون، فلا يحتاج أحد إلى حماية خارج مؤسساتها.
إنّ لبنان اليوم لا يحتاج إلى إعادة تدوير التّسويات، بل إلى إعادة تأسيس العقد الوطني على قاعدة المواطنة، واستقلال القضاء، والإدارة الكفوءة، والتّعليم المنتج، والاقتصاد القائم على العمل لا على الريع، والمؤسسات الشرعية التي تحتكر إدارة الشّأن العام وفق الدستور.
فالوفاء للإمام موسى الصدر لا يكون بإقامة الاحتفالات، ولا بإعادة ترديد عباراته، بل بتحويل مشروعه إلى برنامج وطني للإصلاح. فالرجل لم يورّث اللبنانيين شعارات، بل ورّثهم منهجًا: السلم الدّاخلي أفضل وجوه الحرب ضد إسرائيل، لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، إذا دخلت إسرائيل أرضي، سأخلع ردائي وأصبح أوّل فدائي.
ولعلّ أخطر ما يواجه لبنان اليوم ليس الانقسام السياسي، بل الاعتياد عليه. فالشّعوب لا تنهزم عندما تخسر معركة، وإنّما عندما تتصالح مع الفشل وتعتبره قدرًا.
أمّا الإمام موسى الصدر، فقد علّم اللبنانيين أنّ الأقدار لا تُنتظر، بل تُصنع. وأن الدّولة ليست حلمًا مستحيلًا، بل قرارًا يحتاج إلى رجال دولة، لا إلى تجار أزمات.
فهل يملك لبنان اليوم شجاعة الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء الدّولة؟ أم أنّنا سنبقى ننتظر تسويةً جديدة، بينما يضيع الوطن بين تسوية وأخرى.

الاثنين في 6/7/2026
د. عباس حيدر

Leave A Reply