في مسار الصّراع مع العدو الإسرائيلي، شكّلت بعض محطّات التّاريخ اللبناني نموذجًا معقّدًا لتداخل السياسي بالميداني، ولتشابك البُعد الاجتماعي مع خيار المقاومة. وفي هذا السّياق، يُستحضر الموقف الذي جمع بين حركة أمل وحزب الله في مراحل مفصليّة من المواجهة، بوصفه تجربة تعاون داخل بيئة واحدة تتقاطع فيها المرجعيّات الاجتماعيّة والسياسيّة والدينيّة، رغم اختلاف البُنى التنظيميّة.
هذا التّقاطع لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل عبّر عن إدراكٍ مشترك لطبيعة الخطر، ولحجم التّحدي الذي يفرضه الاحتلال والاعتداءات المتكرّرة. وقد أسهم هذا التّعاون في تثبيت معادلة داخليّة مفادها أنّ مواجهة العدو لا يمكن أن تُختزل في إطار فئوي أو حزبي ضيّق، بل تحتاج إلى حدٍّ أدنى من التّفاهم الوطني والاجتماعي.
بين الإنجاز والاختبار الدّاخلي
غير أنّ أي تجربة سياسية–ميدانية لا تُقاس فقط بقدرتها على المواجهة الخارجية، بل أيضًا بقدرتها على إدارة الدّاخل. وهنا تبرز الإشكالية الأساسية: كيف تتحوّل حالة التّماسك في مواجهة الخارج إلى ثقافة داخلية تُقلّص من منطق “الأنا التنظيمية” والتعصّب الحزبي؟
فالقوة التي تُبنى على وحدة الموقف في لحظة الخطر، قد تتحول لاحقًا إلى اختبار في كيفية إدارة الاختلاف، ومنع تحوّل الإنجاز إلى احتكار رمزي أو سياسي. وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة قراءة التّجربة لا بوصفها تاريخًا منجزًا فقط، بل بوصفها مسؤوليّة مستمرة.
من منطق الأنا إلى منطق الشّراكة
في التّجارب السياسية الحيّة، لا تكمن المشكلة في الاختلاف بحد ذاته، بل في تحويله إلى اصطفاف مغلق. فكل تنظيم، مهما كان حجمه أو دوره، معرّض لأن يقع في فخّ “الأنا السياسية” حين يعتقد أنّه وحده يمثّل الحقيقة الكاملة أو الاحتكار الرمزي للشّرعية.
في المقابل، تفرض طبيعة الواقع اللبناني، وتعقيداته الطّائفية والسياسية، الانتقال من منطق الإلغاء إلى منطق الشّراكة، ومن منطق التّفوق إلى منطق التّكامل. فالمقاومة، إذا أرادت أن تبقى فعّالة ومؤثّرة، تحتاج إلى أن تُنتج نموذجًا اجتماعيًا يوازي حضورها الميداني.
قراءة نقدية لا تُضعف بل تُصلح
إنّ أي دعوة إلى مراجعة داخلية لا تعني نزع الشّرعية أو التّقليل من التّضحيات، بل تعني تحويل هذه التّضحيات إلى رصيد وطني جامع، لا إلى حدود فاصلة بين المكوّنات.
فالقوّة الحقيقية لأي مشروع سياسي أو مقاوم لا تكمن فقط في قدرته على الصّمود أمام العدو، بل في قدرته على بناء علاقة صحيّة مع محيطه الدّاخلي، قائمة على احترام التّنوع، وتخفيف الاحتقان، وتعزيز منطق الدّولة أو الشّراكة الوطنية.
بين التّجربة الميدانية والتّحولات السياسية، يبقى التّحدي الأكبر هو القدرة على الانتقال من “حالة التعبئة الدائمة” إلى “حالة الوعي المؤسّسي”، ومن منطق الاصطفاف إلى منطق البناء.
فالمراجعة ليست تراجعًا، بل نضجٌ سياسي، وإعادة صياغة للعلاقة بين القوّة والوعي، بين المقاومة والمجتمع، وبين الانتصار الخارجي والاستقرار الداخلي.
الأربعاء في 24/6/2026
*الدكتور: عبّاس حيدر*

