تمديد الهدنة… تواطؤ رسمي يمنح إسرائيل وقتاً إضافياً لضرب الجنوب وخنق المقاومة بقلم سفير السلام العالمي داني الأشقر

يروَّج اليوم لتمديد الهدنة بين لبنان وإسرائيل لمدة خمسة وأربعين يوماً على أنه إنجاز سياسي وفرصة لخفض التوتر، إلا أن قراءة الوقائع الميدانية خلال الأسابيع الثلاثة الماضية تكشف أن ما جرى لم يكن هدنة بالمعنى الحقيقي لا بالشكل ولا بالمضمون. فالهدنة وفق المفهوم السياسي والقانوني تعني وقف العمليات العسكرية من الطرفين وخلق مساحة آمنة تسمح بإطلاق مسار تفاوضي جدي، لكن ما شهده الجنوب اللبناني كان مختلفاً تماماً.

خلال فترة “الهدنة” السابقة استمرت عمليات القصف والتفجير وارتُكبت المجازر، وتعرضت قرى بأكملها للتفخيخ والتدمير الممنهج، فيما جرى اقتلاع الأراضي وتجريف الممتلكات والبنى التحتية تحت ذرائع مرتبطة باستهداف مواقع أو نشاطات لحزب الله. وبالتالي تحولت الهدنة عملياً إلى غطاء يسمح لإسرائيل بحرية الحركة العسكرية داخل الجنوب والبقاع، فيما بقي الجانب اللبناني مكبلاً تحت عنوان الالتزام بالتهدئة ومنع التصعيد.

ومن هنا تبرز الخطورة الكبرى في تمديد هذه الهدنة إلى خمسة وأربعين يوماً إضافية بعد التجربة السابقة. فبدلاً من تصحيح الخلل ووضع ضمانات دولية واضحة لوقف إطلاق النار بشكل كامل ومتبادل، جرى توسيع المدة الزمنية نفسها التي استُخدمت سابقاً كمساحة مفتوحة لاستكمال عمليات التدمير والاستباحة. وهذا ما يدفع إلى التساؤل: كيف يمكن اعتبار ما يحدث إنجازاً سياسياً بينما القرى الجنوبية تُدمَّر تباعاً، والمواطن الجنوبي يخسر منزله وأرضه ورزقه وأمانه اليومي؟

إن الخشية الحقيقية اليوم لا تتعلق فقط باستمرار العمليات العسكرية، بل بأن تكون هذه المرحلة مقدمة لكارثة أكبر تطاول ما تبقى من الجنوب اللبناني. فما لم يُدمَّر خلال الأسابيع الثلاثة الماضية قد يصبح عرضة للتدمير خلال خمسة وأربعين يوماً إضافية، في ظل غياب أي حماية فعلية للمدنيين أو أي التزام واضح بوقف شامل لإطلاق النار.

الجنوب اليوم لا يحتاج إلى هدنة شكلية تُدار وفق ميزان القوة العسكرية، بل إلى اتفاق حقيقي برعاية دولية يوقف الحرب نهائياً ويحمي المدنيين ويمنع تحويل القرى الجنوبية إلى ساحة مفتوحة للدمار. أما استمرار الوضع الحالي فلن يعني سوى مزيد من النزيف، فيما يبقى المواطن الجنوبي وحده من يدفع الثمن الأكبر.

Leave A Reply