سقوط النظام الدولي: حين تحكم التغريدات العالم ويصمت القانون

سقوط النظام الدولي: حين تحكم التغريدات العالم ويصمت القانون

د. محمد عاصي-

في لحظة تاريخية فارقة، لم يعد النظام الدولي يُدار وفق قواعد مستقرة أو توازنات راسخة، بل بات رهينة نزعات شخصية وخطابات متقلبة، يتصدرها سلوك الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، الذي اختزل السياسة الخارجية في ردود فعل آنية ومنشورات حادة، فيما يتغير الواقع على الأرض بمعزل عن هذه الضوضاء.

هذا التحول لم يقتصر على الأداء السياسي، بل طال جوهر الخطاب الدبلوماسي نفسه. فقد كشفت تصريحات دونالد ترامب تجاه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، حين أشار إلى أن “هذه ليست حربنا”، عن تصدع عميق في التحالف الغربي. ولم تقف الأمور عند هذا الحد، بل تجاوزت إلى مستوى غير مسبوق من الانحدار الأخلاقي في العلاقات الدولية، مع استخدامه تعبيرات مهينة بحق حلفاء، من بينها توصيفات فجة طالت ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، في مشهد يعكس غرورًا سياسيًا حادًا وتحطيمًا صريحًا لكل الأعراف الدبلوماسية.

في المقابل، تحاول فرنسا التموضع كقوة توازن، عبر تبني مقاربة دبلوماسية أكثر مرونة. فقد دخلت باريس في تفاهمات مباشرة مع إيران لضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز، في اعتراف عملي بدور طهران في أحد أهم الممرات الحيوية للطاقة في العالم.

وفي هذا الإطار، طرح إيمانويل ماكرون فكرة “الطريق الثالث” كخيار للدول التي ترفض الانضواء تحت هيمنة الولايات المتحدة أو الصين، في محاولة لإعادة تشكيل توازن دولي جديد. غير أن هذه المحاولة، رغم أهميتها، لا تزال في طور التبلور ولم ترتقِ بعد إلى مستوى مشروع دولي متكامل.

صحيح أن هناك اعترافًا متزايدًا بثقل إيران، وأنها تحولت إلى شريك لا يمكن تجاوزه في معادلات أمن الطاقة، إلا أن هذا التحول لم يترجم بعد إلى بنية دولية جديدة. كما أن دولًا مثل اليابان والهند والبرازيل وأستراليا وبريطانيا بدأت فعليًا في بناء شبكات تعاون تتجاوز الإطار الأمريكي، مدفوعة بتآكل الثقة في استقرار القرار في واشنطن، إلا أن هذه المسارات لا تزال هشة ولم تتحول إلى تحالفات صلبة.

أما أوروبا، التي يُفترض أن تكون قطبًا مستقلًا، فما زالت بعيدة عن تحقيق هذا الهدف. بل إن سياسات دونالد ترامب، بالتوازي مع الاندفاعة الإسرائيلية، كادت تدفعها إلى حالة من التبعية شبه الكاملة. وتبرز هنا قضية غرينلاند كمؤشر خطير على ذهنية اختزال الجغرافيا والسيادة في منطق الصفقات.

الأخطر من كل ذلك هو الانهيار شبه الكامل لمنظومة القانون الدولي. فمع التصريحات العلنية والوقائع الميدانية، لم نشهد أي مساءلة جدية وفق القانون الدولي العام أو القانون الدولي الإنساني، رغم وضوح الانتهاكات.

لقد بدت الأمم المتحدة عاجزة إلى حد الشلل، فيما تحول مجلس الأمن إلى ساحة تعطيل متبادل، حيث تُفرغ القوانين من مضمونها بفعل التوازنات السياسية وحق النقض. أما اتفاقيات جنيف الأربع، التي يفترض أن تشكل صمام أمان للمدنيين، فقد تحولت إلى نصوص مهجورة في واقع لا يعترف إلا بالقوة.

هذا العجز لا يعكس فقط خللًا مؤسساتيًا، بل يكشف عن أزمة بنيوية عميقة في النظام الدولي، حيث لم تعد القواعد القانونية ملزمة، بل اختيارية، تُطبق انتقائيًا وفق ميزان القوة لا ميزان العدالة.

ما يجري اليوم ليس مجرد تحول في موازين القوى، بل انهيار تدريجي لفكرة النظام الدولي نفسها. ورغم كل المؤشرات على ولادة عالم متعدد الأقطاب، فإن هذه الولادة لم تكتمل بعد، ولم تصل إلى مستوى إعادة ضبط التوازنات.

لقد دخل العالم مرحلة سيولة استراتيجية مفتوحة، حيث تتآكل الهيمنة دون أن يظهر بديل مستقر، وتُكسر القواعد دون أن تُستبدل بأخرى. وبين تغريدات دونالد ترامب، ومحاولات إيمانويل ماكرون لبناء “طريق ثالث”، وصمت الأمم المتحدة، يقف العالم أمام حقيقة صادمة:

النظام الدولي لم يعد يُدار بالقانون… بل بالأهواء.

Leave A Reply