القانون الدولي في مواجهة الهيمنة: ازدواجية المعايير وانكشاف النظام العالمي المعاصر – د. محمد عاصي

شهد النظام الدولي منذ القرن السابع عشر، مع صلح وستفاليا، تطوراً تدريجياً نحو تقنين العلاقات بين الدول عبر قواعد وأعراف هدفت إلى الحد من الفوضى والصراعات المسلحة. ومع تعاظم آثار الحروب، خصوصاً الحربين العالميتين، برزت الحاجة إلى نظام دولي مؤسسي يضبط استخدام القوة ويؤسس لمنظومة قانونية جامعة، فكان إنشاء الأمم المتحدة عام 1945 تتويجاً لانتصار الحلفاء، وفي طليعتهم الولايات المتحدة الأمريكية، التي أنهت الحرب باستخدام السلاح النووي في اليابان، لتدخل البشرية مرحلة جديدة من التوازنات القائمة على الردع والقوة، ولكن أيضاً على محاولة تقنين هذه القوة.

ينص ميثاق الأمم المتحدة في المادة (2/4) على حظر استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية، وهو من القواعد الآمرة، مع استثناءين رئيسيين: حق الدفاع الشرعي عن النفس وفق المادة (51)، وتفويض مجلس الأمن باستخدام القوة لحفظ السلم والأمن الدوليين. غير أن الممارسة الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية كشفت عن فجوة متزايدة بين النص والتطبيق، حيث باتت القوة السياسية والعسكرية عاملاً حاسماً في تفسير هذه القواعد وتطبيقها.

ويواكب هذا الإطار القانوني نظامٌ متكامل من قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية، التي تهدف إلى حماية المدنيين وتقييد وسائل وأساليب الحرب، إلى جانب منظومة حقوق الإنسان. إلا أن التطبيق العملي لهذه القواعد يظهر بوضوح طابعاً انتقائياً، يتبدل تبعاً لموقع الدولة في النظام الدولي.

في هذا السياق، تبرز الحرب الدائرة حالياً في المنطقة، بين إسرائيل بدعم أمريكي من جهة، وإيران من جهة أخرى، كنموذج حي لاختبار هذه القواعد. فقد شهدت هذه المواجهة استهدافاً للبنى التحتية الحيوية، لا سيما منشآت الطاقة والنفط داخل إيران، وهو ما يثير إشكاليات قانونية تتعلق بمبدأي التمييز والتناسب، خاصة عندما تؤدي هذه الضربات إلى أضرار واسعة تمس السكان المدنيين. كما طالت العمليات اغتيال شخصيات قيادية، في سياق يطرح تساؤلات حول مشروعية هذه الأفعال خارج إطار نزاع مسلح تقليدي واضح، واحتمال تصنيفها كعمليات قتل خارج نطاق القضاء.

ولا يمكن فصل هذه التطورات عن سياق أوسع من الضغوط على إيران، الممتدة منذ الثورة الإسلامية عام 1979، حيث فُرضت عليها عقوبات اقتصادية واسعة قبل حتى بروز ملفها النووي، وهو ما يعكس توظيفاً سياسياً للأدوات الاقتصادية خارج إطار الشرعية الدولية الجماعية.

وفي قراءة نقدية معاصرة، اختزل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي هذا المشهد باعتبار أن «القانون الدولي قد فقد فاعليته العملية» نتيجة ازدواجية المعايير الغربية، مستشهداً بالمقارنة بين التعاطي مع غزة وأوكرانيا، وبالصمت تجاه العمليات العسكرية ضد إيران. كما دعا إلى عدم الصمت أمام هذه الانتهاكات، معتبراً أن الدفاع عن سيادة القانون يقتضي موقفاً أخلاقياً وقانونياً متسقاً. ويكتسب هذا الطرح دلالة إضافية في ظل مواقف أوروبية محدودة، من بينها توصيف رسمي ألماني لبعض الأعمال العسكرية بأنها خارجة عن القانون، ما يعكس تبايناً داخل المعسكر الغربي نفسه حول شرعية هذه الحرب.

ومن منظور فقهي، ينسجم هذا النقد مع أطروحات عدد من كبار فقهاء القانون الدولي الذين حذروا من تسييس القواعد القانونية؛ إذ يرى أنطونيو كاسيسي أن «انتقائية تطبيق القانون الدولي تقوّض شرعيته من الداخل»، فيما يشير مارتّي كوسكينيمي إلى أن القانون الدولي غالباً ما يتحول إلى «لغة تبرير للسلطة أكثر منه أداة لتقييدها»، وهو ما يبدو جلياً في الحالة الراهنة.

أما على صعيد الدور الأمريكي، فإن هذه الحرب تأتي امتداداً لمسار طويل من التدخلات التي أعادت تشكيل مفهوم استخدام القوة في العلاقات الدولية. ويُعد غزو العراق عام 2003 مثالاً صارخاً على ذلك، حيث تم تبرير الحرب بذريعة امتلاك أسلحة دمار شامل ثبت لاحقاً عدم صحتها، ما أدى إلى تدمير بنية الدولة العراقية وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين، وتفكك البنية الاجتماعية والاقتصادية. وقد شكّل ذلك سابقة خطيرة في تقويض حظر استخدام القوة.

كما عمدت الولايات المتحدة إلى توسيع مفهوم “التدخل الإنساني” بشكل أحادي، وتحويله إلى غطاء قانوني فضفاض لتبرير تدخلات عسكرية، ما أفرغ هذا المفهوم من مضمونه الأخلاقي والقانوني. ويترافق ذلك مع مواقف رافضة للخضوع لآليات العدالة الدولية، بما في ذلك فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، الأمر الذي يعكس نزعة استعلاء على النظام القانوني الدولي.

في المقابل، تمثل الحالة الإسرائيلية أحد أبرز تجليات ازدواجية المعايير. فمنذ صدور قرار التقسيم عام 1947، توسع الواقع الميداني عبر سياسات استيطانية متواصلة، في مخالفة واضحة لأسس ذلك القرار ولمبدأ حظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة. كما لم تُنفذ قرارات مجلس الأمن المتعلقة بلبنان، واستمرت الاعتداءات على أراضيه، إلى جانب الانتهاكات اليومية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وقد تصاعدت هذه الانتهاكات بشكل غير مسبوق منذ عام 2023، حيث شهد قطاع غزة عمليات عسكرية واسعة النطاق أدت إلى دمار هائل وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، وعمليات تهجير قسري، في ظل صمت دولي لافت. كما استمرت إسرائيل في قضم الأراضي العربية، بما في ذلك ترسيخ سيطرتها على الجولان السوري، ومواصلة الاعتداءات على السيادة السورية من خلال القصف المتكرر. ووفقاً لقواعد القانون الدولي، فإن هذه الأراضي تظل محتلة قانوناً مهما طال أمد الاحتلال.

وفي سياق الخطاب السياسي، تعكس بعض التصريحات الإسرائيلية نزعة صريحة نحو تبرير الإفراط في استخدام القوة، بما يعزز الانطباع بأن القيود القانونية والأخلاقية لم تعد ذات أثر فعلي في توجيه السلوك العسكري.

أما في لبنان، فتبرز مسألة مشروعية المقاومة في مواجهة الاحتلال، حيث يستند هذا الحق إلى مجموعة من الأسس القانونية، أبرزها حق تقرير المصير المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، وحق الدفاع عن النفس، إضافة إلى قرارات الجمعية العامة التي أقرت بشرعية نضال الشعوب ضد الاحتلال، واجتهادات محكمة العدل الدولية التي كرّست هذا الحق كقاعدة آمرة. كما اعترف البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 بحروب التحرر الوطني بوصفها نزاعات دولية مشروعة، ما يضفي غطاءً قانونياً على مقاومة الاحتلال ضمن ضوابط القانون الدولي الإنساني.

وفي موازاة ذلك، تتعرض سوريا لقصف متكرر يشكل انتهاكاً واضحاً لسيادتها، دون أن يقابل ذلك بردع دولي فعّال، ما يعزز صورة الانتقائية في تطبيق قواعد القانون الدولي.

وتتجلى ازدواجية المعايير بشكل صارخ في عدة أمثلة. فإيران تُواجه ضغوطاً وعقوبات واعتداءات بحجة سعيها لامتلاك سلاح نووي، في حين أن إسرائيل تمتلك بالفعل ترسانة نووية خارج أي رقابة دولية، وترفض الانضمام إلى المعاهدات ذات الصلة، دون أن تتعرض لأي مساءلة. كما أن العراق تعرض لغزو شامل بذريعة امتلاك أسلحة كيميائية ثبت بطلانها، مع ما خلّفه ذلك من مآسٍ إنسانية جسيمة، في حين تستمر العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة دون قرارات دولية رادعة. كذلك، فإن المبادرة العربية للسلام التي أُقرت في بيروت بقيت دون استجابة، في ظل استمرار العمليات العسكرية والمجازر تحت أنظار المجتمع الدولي.

ويُضاف إلى ذلك الدور الحاسم لحق النقض داخل مجلس الأمن، الذي يُستخدم بشكل متكرر لحماية إسرائيل من أي مساءلة أو عقوبات، ما يقوض فعالية النظام الدولي ويُفرغ قواعده من مضمونها الإلزامي.

إن هذا الواقع يكشف بوضوح أن القانون الدولي لم يعد يُطبق بوصفه منظومة موضوعية محايدة، بل كأداة تتأثر بتوازنات القوة، وأن ازدواجية المعايير لم تعد استثناءً، بل أصبحت سمة بنيوية في النظام الدولي. فالأفعال ذاتها تُدان أو تُبرر تبعاً لهوية الفاعل، لا لطبيعة الفعل نفسه.

وفي ضوء الوقائع المعاصرة، ولا سيما الحرب الدائرة حالياً، يمكن القول إن إسرائيل، وبدعم مباشر من الولايات المتحدة، تمثلان من أبرز النماذج لانتهاك قواعد القانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني، سواء من خلال استخدام القوة خارج إطارها المشروع، أو استهداف المدنيين، أو تجاهل القرارات الدولية.

وعليه، يطرح هذا الواقع سؤالاً جوهرياً حول مستقبل النظام الدولي: هل يمكن إعادة بناء منظومة قانونية عادلة وملزمة للجميع، أم أن العالم يتجه نحو تكريس نظام تحكمه القوة وحدها؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ملامح المرحلة المقبلة، خاصة بالنسبة لدول العالم الثالث، التي تجد نفسها أمام خيارين: إما الانخراط في نظام غير متكافئ، أو السعي إلى تغييره رغم كلفة ذلك.

Leave A Reply